يكاد الكرمل يكون أجمل جبل في العالم، تبدو البلاد من قمته كعروس نائمة على شاطئ البحر، رأسها في حيفا، ينتثر منه شعرها المنساب، مزيناً بغابات الأرز، وأزهار اللوز، وعلى قمة الكرمل، تشعر أكثر ما يكون الشعور بفلسطينيتك، مزهوة بجمال البلاد..
لكن عروسنا الجميلة لا تزال محتلة، وعلى قمة الكرمل، أجمل بقاع الأرض، ينتصب سجن مقيت، يعاقبك بكل الوسائل على فلسطينيتك تلك.
كذبة نيسان
فجر الأول من أبريل 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الأسيرة سماح الحجاوي (٢٦ عاماً) في مدينة قلقيلية، بأكثر من 70 جندياً ومجندة، في دهشة كبيرة، جعلت سماح وعائلتها يعتقدون أن الاعتقال لجارهم، وأنهم دخلوا بيتها خطأً، كانت سماح قد تحررت من السجن قبل أشهر قليلة، ضمن إحدى صفقات طوفان الأحرار، وحين أخبرها الجنود بضرورة الذهاب معهم، ادعوا أنهم يريدون البحث عن هاتف، كأداة ضغط لا أكثر، واصطحبوا معها والدها، لكنّ الساعات التالية كشفت الحقيقة الصادمة، وأبطلت "كذبة نيسان".
القهر المتكرر
الساعات المعدودة طالت، وأصبحت أربعة أيام في معسكر قلقيلية، وسماح لم تكن تستطيع استيعاب حقيقة اعتقالها للمرة الثالثة، وهي لم تكد تشعر بفرحة حريتها الحديثة، لكن الواقع المرير أجبرها على تقبل القهر الجديد، ومن ثَم نقلت إلى سجن الشارون لتقضي فيه يوماً وليلة، قبل أن تحتجز في سجن الدامون.
عذاب، وعقاب
خلف جدران الدامون، يجثم وجع ثقيل، ووضع السجن سيئ جداً، بل إنه "وصل إلى أسوأ مرحلة"، حسب تعبير الأسيرات، اللاتي أسررن ببعض من معاناتهم خفية إلى المحامين القلائل الذين ينتزعون زيارات متقطعة.
الحياة هناك مقسمة بين: القمع والعزل والرش بالغاز والشتائم المستمرة، وقلة النظافة، وسوء التغذية، تذكر سماح الحجاوي أن زميلتها كرمل الخواجا أصبح "وزنها 49 كيلو مع الكلبشات"، كما تتلقى سماح تهديدات متكررة بالعزل، بل ويكرر السجانون على مسامعها بكل وقاحة: "حماس حررتك في المرة السابقة، لكن هذه المرة لن تخرجي"! في تقرير صارخ لسياسة العقاب الذي تنتهجه دولة الاحتلال بحق أي فلسطيني يعدّ جزءاً من إنجازات المقاومة.
حرية بعيدة
خلف القضبان، كان لسماح شقيق في سجن آخر، غيبتهما العتمة في وقت واحد، لكن في وحشتها ووسط حزنها، تلقّت خبر الإفراج عن "عبود"، فبكت فرحاً وشوقاً، ورفرف قلبها أنه خرج سالماً وبصحة جيدة، ولا تكاد تصدق أنه حرّ.
ترسل سماح روحها لشقيقها، لتحتضنه وتحقق أمنيتها المنتظرة، وتهمس في أذنه "انتظرني، سآتي قريباً".
ابتسامات، دموع، وأماني
منذ اعتقالها لم تظهر سماح الحجاوي لحظة ضعف، ولم تبك في سجنها، حتى استقبلت نبأ تحرر أخيها، الذي أصابها بوابل الدموع بعد الجفاف، وصارت سريعة التأثر، كثيرة البكاء، رغم أنها كثيرة الابتسام، ولضحكتها صوت رنان يُحيِي جنبات الزنزانة.
وفي غمرة اليأس، لا تتخلى عن أملها بفرج قريب، تتزود بحنينها إلى ملامح ابن أختها، وتشتاق لعائلتها التي تحلم بها كل الوقت، وترسم أمنيتها الأثيرة: "بدي عبود يستقبلني".
مواد مشابهة
معركة بين قيدين : عتمة الزنازين والموت البطيء
يبلغ عدد الأسرى المصابين بالسرطان 26 أسيرًا، وفق ما وثقته مؤسسات الاسرى، ويواجهون أوضاعًا صحية خطيرة نتيجة الإ...
خمسة أشهر في سجن عوفر تنتهي بالطفل محمد حميد على أجهزة التن...
أفرجت سلطات الاحتلال عن الطفل بعدما وصل إلى مرحلة صحية بالغة الخطورة، لكن معركته الحقيقية لم تنتهِ بخروجه من ا...
من عيادته إلى زنزانة عوفر: «طبيب الفقراء» يبحث عمّن يعالجه
قبل أسابيع، كان المرضى ينتظرون دورهم أمام عيادته في رام الله. اليوم، ينتظر «طبيب الفقراء» داخل زنزانة عوفر أن...