الثلاثاء 7 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

من حق ثابت إلى إحسان مشروط: جدل رواتب الأسرى الفلسطينيين

19 أغسطس 2025 قراءة 9 دقيقة

تعد قضية رواتب الأسرى الفلسطينيين من أبرز الملفات الحساسة، إذ تتجاوز البعد المالي والإداري لتصبح تعبيرا عن الهوية الوطنية والاعتراف الرسمي بتضحيات الأسرى كرموز للصمود والمقاومة في وجه الاحتلال. منذ تأسيس السلطة الفلسطينية سنة 1994، تحولت هذه الرواتب إلى جزء من رأس المال الرمزي الفلسطيني، ودعم مادي ومعنوي للأسرى وعائلاتهم، فيما تشكل الضغوط الإسرائيلية والأميركية لإيقافها تحديًا أمام السلطة الفلسطينية.

قرار قطع رواتب الأسرى، الصادر في 10 فبراير 2025، والذي شمل في الدفعة الأولى 1612 أسيراً، يمثل اختبارا حقيقيا للعقد الاجتماعي الفلسطيني، ويطرح تساؤلات حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومفهوم المواطنة والحقوق، وقدرة السلطة على تمثيل تطلعات شعبها تحت ظروف الاحتلال والضغوط الاقتصادية والسياسية.

السياق التاريخي لرواتب الأسرى

منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، اعتبرت قضية الأسرى من القضايا المركزية ورأس المال الرمزي للسلطة. ففي سنة 2004، صدر قانون الأسرى والمحررين رقم 19 الذي ضمن صرف رواتب شهرية للأسرى وذويهم، اعترافا بتضحياتهم، وكأحد مكونات الحماية الاجتماعية.

استمرت هذه السياسات رغم الضغوط الإسرائيلية والدولية، وزادت المخصصات المالية مع طول فترة الأسر، لتصبح مكافأة رمزية تعزز البعد الوطني المقاوم وتدعم الأسرى نفسيا وماديا.

ينظم القانون رقم 19 لسنة 2004 وقرار مجلس الوزراء رقم 23 لسنة 2010 آليات الصرف وشروطه، مع ربط الراتب بعدد سنوات الأسر وأوضاع العائلة، وتم تعديل القانون سنة 2013 لإعطاء الأسرى المحررين أولوية في التوظيف العام.

أساس هذا النظام قائم على مفهوم التكافل والتضامن الاجتماعي، وليس على الربح أو المعايير المحاسبية البيروقراطية، ما يتعارض لاحقا مع التوجهات النيوليبرالية الحديثة                

الضغوط الإسرائيلية والأميركية

القانون الإسرائيلي الصادر سنة 2018، إلى جانب قانون "تايلور فورس" الأميركي، يهدفان إلى وصف المخصصات بأنها تحفيز على "الإرهاب"، ونزع الشرعية عن النضال الفلسطيني، وتحويل الأسرى من رموز وطنية إلى حالات إجرامية. كما تسعى هذه الضغوط إلى فرض رواية الاحتلال دوليًا، وتحويل الصراع إلى صراع مالي إداري، وتجريد السلطة من عناصر الشرعية الرمزية.

 

الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية

يشكل الأسرى وذووهم مجموعة مرجعية عليا داخل المجتمع الفلسطيني، والراتب لم يكن مجرد دعم مالي، هو اعتراف مجتمعي برمزية تضحياتهم.

إلغاء الرواتب يؤدي إلى أزمة هوية وفقدان المكانة الاجتماعية، وتحويل الأسرى إلى مستحقين للمساعدة، ما يضعف شبكات التضامن الاجتماعي ويزيد الاعتماد على المساعدات الخارجية.

اقتصاديا، كانت الرواتب مصدر دخل ثابت لآلاف الأسر في بيئة تعاني الفقر والبطالة، وتحويلها إلى مساعدات مشروطة يعيد الأسرى إلى دائرة الفقر ويضعف السيادة الاقتصادية الوطنية، إذ تتحول الحقوق إلى إحسان مشروط، وتفقد السلطة الفلسطينية جزءا من شرعيتها الوطنية.

مؤسسة "التمكين" ومسار السلطة

استجابت السلطة الفلسطينية للضغوط بإنشاء المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي عام 2019، والتي نقل إليها برنامج الأسرى والشهداء، بهدف دعم الأسر الفقيرة وتمكينها اقتصاديا، لكن هذا التحول قوبل برفض شعبي واسع لأنه يمس جوهر القضية الوطنية.

الخطوة تؤكد تعقيد المعادلة بين تلبية مطالب الاحتلال والمانحين الدوليين، والمحافظة على الشرعية الوطنية أمام المجتمع الفلسطيني، وهو ما يعكس هشاشة في العقد الاجتماعي الفلسطيني.

مخصصات الأسرى: أهمية وطنية ورمزية

تظهر هذه القضية أن الرواتب ليست مسألة مالية فحسب، إنما رمز وطني ومكون من العقد الاجتماعي الفلسطيني، الذي يشمل التضحية والانتماء الجماعي والحقوق المستحقة.

وقف الرواتب أو تحويلها لمساعدات مشروطة يضع السلطة في موقع هش، ويؤدي إلى أزمة شرعية وهشاشة اجتماعية طويلة الأمد، ويحول الأسرى من رموز للصمود إلى ضحايا لتقاطع الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية.

 

شهادات من داخل الأسر وخارجه

وفي هذا السياق، رصدت مؤسسة العهد الدولية شهادات مباشرة من أسرى محررين وذوي أسرى ما زالوا خلف القضبان، تعكس الوجه الإنساني لهذه الأزمة وتكشف أثر القرارات الأخيرة على حياتهم اليومية وصمودهم الوطني.

الأسير المحرر يسري إبراهيم الجولاني، من مدينة الخليل، أحد أسرى صفقة "وفاء الأحرار" الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم عام 2013 بعد الإفراج عنه في 2011، وكان قد قضى سابقا 17 عاما في سجون الاحتلال بتهمة مقاومة الاحتلال. بعد إعادة اعتقاله، أعيد الحكم السابق وأضيفت عليه 5 سنوات وغرامة، ليصل مجموع حكمه إلى 22 عاما، قبل أن يفرج عنه في صفقة "الطوفان" ويبعد إلى تركيا. يقول الجولاني:"تم قطع راتبي قبل الإفراج عني بثلاثة أشهر فقط، وعندما راجعت هيئة شؤون الأسرى بعد تحرري، أبلغت أن القرار جاء من الأجهزة الأمنية. لم يكن لدي علم مسبق، ولم يوجه إلي أي اتهام أو استدعاء يبرر هذا الإجراء.

الظروف اليوم صعبة جدا، وخاصة في ظل الغلاء الذي نعيشه، لا سيما في تركيا حيث أقيم. أنا مسؤول عن إعالة نفسي وزوجتي وأطفالي، وغياب الراتب جعل هذه المسؤولية مضاعفة.

من يعيش تجربة قطع الراتب يدرك تمامًا معنى أن يقال: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق. إنها معاناة فوق معاناة، لا سيما بعد سنوات طويلة من الاعتقال والتضحية. ما يحدث اليوم بحق الأسرى من قطع للرواتب وتهميش متعمد لقضيتهم يبدو كأنه مخطط له، وجاءت حرب غزة لتسرع تنفيذه. نحن لا نطلب امتيازات، ونطالب بالحد الأدنى من الحقوق والحياة الكريمة.

من جانب آخر أكد عدد من الأسرى المحررين في صفقة "طوفان الأحرار" أن قرار قطع رواتبهم ورواتب بعض الأسرى يمثل طعنة موجعة، جاءت في وقت كانوا ينتظرون فيه الوفاء الأخلاقي والوطني بعد سنوات طويلة من الأسر والمعاناة. وقال المحررون: "غزة باتت ميزانا في هذا العالم، لكننا صدمنا بأننا وأهلنا أصبحنا ضحية للمال السياسي، الذي تقدمه السلطة للداعم الدولي والاحتلال، بما يحرمنا من حياة كريمة، ويخالف ما يعلنه الرئيس ليلا ونهارا". وأكدوا أن القرار أثر بشكل مباشر على قدرتهم على الاندماج في المجتمع، وحتى على استقرارهم النفسي والمعيشي، إذ بات جل وقتهم منشغلا في تأمين الحد الأدنى من مقومات الكرامة لأسرهم.

وطالبوا جميع الفعاليات الوطنية بما يلي:

  • رفض القرار جملة وتفصيلا.
  • تفعيل الاحتجاجات أمام الوزارات المعنية بمشاركة شخصيات وطنية وإعلامية بارزة.
  • توقيع عريضة شعبية واسعة تُرفع إلى الرئيس للمطالبة بالتراجع الفوري عن القرار.
  • عدم ترك أهالي الأسرى المحرومين من رواتبهم وحدهم، وضمان كرامتهم المعيشية والإنسانية.

وختموا بالقول: "نحن لسنا المستهدفين كأشخاص، بل الفكرة والمشروع مشروع المقاومة والتحرير الذي قدم من أجله القادة حياتهم، فكرامة المحرر ليست محل مساومة وحقوقه ليست منة من أحد".

أما زوجة المعتقل الإداري خدرج، المعتقل منذ 11/9/2023، تروي معاناتها بقولها: زوجي ما زال أسيرا خلف القضبان، فيما تحملت وحدي مسؤولية أطفالي. هو بحاجة إلى زيارات، وحتى إن كان له محامٍ خاص فهو يحتاج إلى تكاليف أيضا، لكن من يفكر بنا وباحتياجاتنا اليومية؟ هل يدرك من يقف خلف قرار قطع الرواتب حجم المعاناة التي نعيشها لتأمين مصاريف أولادنا، من الصيدلية إلى روضة الأطفال التي لا يقل قسطها عن 300 شيكل، وما يتبعها من مصروف يومي وأجرة الباص واحتياجات الملابس وغيرها؟

اضطررنا لأن نقتصد في كل شيء؛ في لقمة العيش، في ملابس الأطفال، وحتى في أبسط متطلباتهم اليومية. دخلنا شهرنا الرابع بلا راتب، وأهل زوجي أنفسهم لديهم أسيران آخران قطعت رواتبهم أيضا، ووالد زوجي رجل ستيني لا حول له ولا قوة. بيت أهلي كذلك مثقل بالمسؤوليات ولديهم أطفال صغار، ومصدر دخل والدي محدود بالكاد يكفيهم.

يحاول أهل زوجي مساعدتي، لكن ماذا تفعل 200 أو 400 شيكل في الشهر؟ هل يمكن اعتبارها مصروفا يكفي بيتا وأطفالا؟ أأجعل أولادي يعيشون بأقل القليل فقط لأن والدهم أسير؟ هم أولى بالحياة وبأن تُقدم لهم أفضل الظروف، فهم يعيشون حرمان أبيهم الذي أفخر به وأسعد أن يفخر به وطنه، لكنه يُجازى بقطع راتبه، مصدر عيش أولاده الوحيد، حتى صارت زوجة الأسير تنتظر الصدقات لتسد رمق أبنائها.هل يجب أن يجوع الأطفال ويحرموا من أبسط مقومات الحياة؟ بعد كل هذه المعاناة، التي يفترض أن تكون واضحة للناس وللمسؤولين، ألا يستحق الأسرى وعائلاتهم أن توضع الأيدي ببعضها لإسنادهم؟ نحن نرى الأسرى يخرجون هزيلين ومرضى ومتعبين، يحتاجون أشهرا ليستعيدوا صحتهم إن عادت، فإذا بمكافأتهم أن يُقطع راتبهم. أي خذلان هذا؟ الأسرى لا يحتاجون لزيارات شكلية من المسؤولين في المشافي، يحتاجون إلى أبسط حقوقهم ، أن تقف المؤسسات إلى جانبهم وتعيد رواتبهم ومستحقاتهم، وأن يقف الشعب في صف عائلاتهم ويدعمهم في محنتهم.

من جانبها شددت شقيقة الأسير محمد زكريا محمد حمامي، المعتقل منذ 15/11/2004 والمحكوم بالسجن المؤبد، على أن قطع رواتب الأسرى يزيد من معاناتهم النفسية ويثقل كاهل عائلاتهم التي تعيش أصلا وجع غيابهم. الراتب ليس مجرد رقم، هو قوت الأطفال وكرامة الأهل، وهو حق ثابت للأسير وعائلته لا يجوز المساس به. وفي رسالتها الموجهة للقيادة والشعب الفلسطيني تقول: "لا تتركوا أبناءكم الذين ضحوا بسنين عمرهم في السجون. التخلي عن الراتب يعني التخلي عن صمودنا ودمائنا التي قدمت فداء لفلسطين". وتطالب المؤسسات الرسمية بتحمل مسؤولياتها وضمان صرف الرواتب دون مماطلة أو تمييز، مؤكدة أن الاحتلال لا يفرق بين أسير وآخر، وأن أي تمييز في الحقوق يمس وحدتنا الوطنية. كما تدعو القوى والفصائل لأن تكون موحدة دفاعًا عن الأسرى، والجماهير الشعبية إلى رفع صوتها بالشارع، فالمساس براتب الأسير مساس بكرامة كل فلسطيني وثوابته الوطنية.

أما الناشطة الحقوقية أمينة الطويل زوجة الأسير علي رفيق شواهنة الذي أمضى 18 عاما في سجون الاحتلال وآخر اعتقال له بتاريخ 23/10/2023، تؤكد أن الراتب حق ثابت لكل أسير قدم عمره داخل السجون وترك خلفه عائلة لها الحق الكامل في الحياة الكريمة. وتشير إلى أن قطع الرواتب زعزع صمود واستقرار الأسر، وكأنه استهداف إضافي لها، متسائلة: "لماذا يُلاحق الأسير حتى وهو داخل السجن؟". كثير من زوجات وأمهات الأسرى اضطررن لبيع ممتلكات البيت وحاجياتهن الخاصة لتأمين احتياجات العائلة، ليضاف ذلك إلى ثقل غياب الأسير وقهره.

وتضيف "هل يكافأ الأسرى وأبناؤهم بقطع الرواتب وابتزازهم بلقمة عيشهم؟ هل يعتبر راتب الأسير هو العائق أمام ميزانية دولة فلسطين أو حياتها السياسية؟". وتطالب بالعدول الفوري عن القرار وإعادة الرواتب، مؤكدة أن على المؤسسات الرسمية والفصائلية والمستقلة أن تتحمل مسؤولياتها وتتابع القضية بشكل جاد، وأن يكون الأهالي سندًا لها. وتختم بالقول: "لا نريد بيانات إدانة فقط، بل حراكا فعليا على الأرض يضمن لنا ولأبنائنا حياة كريمة، حتى لا نضطر للعمل بأجور زهيدة أو بيع ممتلكاتنا لتغطية أبسط احتياجات البيت".

أما شقيقة الأسير القائد معمر شحرور من مدينة طولكرم، المحكوم بالسجن مدى الحياة، تؤكد على ضرورة الحفاظ على المكتسبات الوطنية التي كرسها نضال الأسرى، ورفض أي خطوة تضعف مكانتهم أو تشكك في شرعية كفاحهم. ودعت السلطة إلى التراجع الفوري عن قرار قطع الرواتب، احتراما لتضحيات الأسرى وعائلاتهم، وصونا لوحدة الصف الوطني. وشددت على أن الأسرى، إلى جانب الشهداء، هم من قدموا أعظم التضحيات، وأن حقوقهم يجب أن تبقى مصانة بما يحفظ كرامتهم وكرامة عائلاتهم. وطالبت بصرف مخصصاتهم كاملة دون نقصان أو تمييز بين أسير وآخر.

المواقف الفلسطينية

أغلب الفصائل الفلسطينية رفضت المرسوم الرئاسي وطالبت بالتراجع عنه، معتبرة أن القرار يمس شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، ومن بينها الأسرى، والشهداء، والجرحى وعائلاتهم.

رئيس هيئة شؤون الأسرى سابقا قدورة فارس شدد على أن أي تعديل لمخصصات الأسرى يجب أن يأخذ بعين الاعتبار البعد الوطني للقضية، فيما دعت مؤسسات حقوقية لضمان استمرار الدعم والرعاية وفق القوانين الفلسطينية والدولية. الفلسطينية، ويحول الأسرى من رموز وطنية إلى متلقين للإحسان بما يضر بالهوية الوطنية وبالشرعية الرمزية للسلطة.

مواد مشابهة