الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

بين الجوع والمرض: كيف تحولت السجون إلى بؤر صحية قاتلة؟

25 يوليو 2025 قراءة 5 دقيقة

منذ السابع من أكتوبر 2023 فرضت إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي واقعا غير مسبوق على الأسرى الفلسطينيين، تجاوز كل المعايير الحقوقية والإنسانية. فما بعد "طوفان الأقصى" لم يكن مجرد تشديد في الإجراءات وإنما حربا مفتوحة داخل السجون والمعتقلات، عنوانها التجريد والتجويع ، الإهمال والتصفية البطيئة.

ومع غياب الرقابة والصمت الدولي المريب أصبح المرض سلاحا جديدا في يد السجان، تنفذه بيئة اعتقال مقصودة التجهيز عبارة عن تكدس، قذارة، حرمان من النظافة، وتعمد لحرمان الأسرى من الرعاية الصحية، ووسط هذه الكارثة الصامتة، تفشت أمراض خطيرة تهدد حياة الأسرى، أبرزها مرض الجرب (السكابيوس)، وداء الصَّفَر( الإسكارس).

انتهاكات منهجية بعد 7 أكتوبر: السجن بلا شروط حياة

مع بداية الحرب بدأت إدارة السجون سلسلة من الإجراءات التنكيلية شملت:

  • منع الأسرى من الاستحمام والماء الساخن.
  • سحب كافة مواد النظافة الشخصية: صابون، شامبو، معجون أسنان.
  • منع تغيير الملابس، ومنع دخول الغيارات.
  • حرمان الأسرى من "الفورة" اليومية والتعرض لأشعة الشمس.
  • إغلاق النوافذ وقطع التهوية مع الإبقاء على الاكتظاظ داخل الغرف في السجون .
  • منع زيارات المحامين والأهالي، وقطع الاتصالات.

بهذا لم يعد الأسير يواجه  السجن والسجان، بل يواجه بيئة خانقة وظروفا حياتية لا تصلح حتى للحيوانات.

 "السكابيوس": حين يصبح الجلد خندقا للألم

في سجون بلا تهوية، وبملابس لا تغسل، زحف مرض "السكابيوس" (الجرب) على أجساد الأسرى الفلسطينيين كأداة من أدوات التعذيب البطيء. الجرب، وهو مرض جلدي معد يسببه طفيلي مجهري، ينتقل باللمس أو مشاركة الفُرش والملابس، ويؤدي إلى حكة شديدة، تقرحات، التهابات، وأرق دائم.

لكن ما يحدث في السجون الإسرائيلية يتجاوز الإهمال الصحي المعتاد، ووفقا لما وثقته مؤسسة العهد الدولية عبر مقابلات مباشرة مع أسرى محررين أصيبوا بمرض السكابيوس، ومن خلال تقارير متعددة، فإن إدارة السجون الإسرائيلية تتعمد :

  • حشر الأسرى المصابين بالجرب مع آخرين أصحاء في نفس الغرف داخل السجون والأقسام ، دون فصل أو حجر صحي، ما يؤدي إلى انتشار العدوى بسرعة بين المعتقلين.
  • منع الاستحمام المنتظم، وتقنين توزيع مواد التنظيف أو الصابون،  وحرمان بعض الأقسام منها بشكل كامل.
  • الإبقاء على الأغطية والفرش الملوثة لفترات طويلة دون تغيير أو تعقيم، رغم المطالبات المتكررة من الأسرى.
  • رفض تقديم العلاج المناسب أو تأخيره عمدا، ليبقى الأسير فريسة الحكة والعدوى الليلية والتهابات الجلد.

كل هذه الإجراءات وغيرها التي وثقتها مؤسسة العهد الدولية تؤشر على سياسة منظمة  وممنهجة تهدف إلى إنهاك الأسرى نفسيا وجسديا، وإدخالهم في دوامة المرض والعجز المستمر. وفي ظل استمرار الحرب وتراجع الرقابة الدولية، تحولت السجون الإسرائيلية إلى مقابر مغلقة تنتشر فيها الأمراض والأوبئة.

من "السكابيوس" إلى "داء الصَّفَر": تصاعد الخطر والمرض في سجن النقب

لم تتوقف الكارثة الصحية عند هذا الحد، فقد سجل سجن النقب مؤخرا تفشيا  لمرض خطير آخر يعرف بـ"داء الصَّفَر"، وهو مرض طفيلي تسببه الديدان الأسطوانية الطفيلية وينتشر عبر بويضات تنتقل غالبا عن طريق الطعام أو الماء الملوث يصيب الجهاز الهضمي والرئتين، ويفتك بجسد المصاب تدريجيا.

تدخل هذه الطفيليات إلى الجسم عبر الجهاز الهضمي، ثم تبدأ دورة حياتها من الأمعاء إلى الرئتين، ثم تعود ثانية لتسبب أضرارا مزدوجة في كلا الجهازين. في الجهاز التنفسي عندما تصل اليرقات إلى الرئتين، قد تظهر أعراض مثل ضيق في التنفس، أزيز في الصدر، أعراض مشابهة للربو أو التهاب الرئة. أما في الجهاز الهضمي، فبعد عودة اليرقات إلى الأمعاء ونضجها ستظهر أعراض مثل الغثيان والقيء وألم شديد في البطن، فقدان وزن وسوء تغذية.

بحسب مكتب إعلام الأسرى فإن قسم 28 في سجن النقب قد فرض عليه حجر صحي بالكامل من قبل إدارة سجن النقب بعد تسجيل عدد من الإصابات وتفشي المرض بين الأسرى داخله، تشمل أعراض "داء الصَّفَر" بشكل عام :

  • سعال مزمن
  • ضيق في التنفس
  • آلام في البطن
  • قيء وغثيان
  • فقدان كبير في الوزن

الخطير في هذا المرض أن بعض الحالات تبقى بدون أعراض ظاهرة، مما يسمح له بالانتقال إلى أسرى آخرين دون أن يكتشف. ورغم ذلك ترفض إدارة السجون إدخال طواقم طبية مختصة وإجراء فحوصات مخبرية وعزل المرضى وتطهير زنازين العزل أو الأقسام المصابة.

 صمت دولي وجريمة مكتملة الأركان

تعتمد إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية سياسة إهمال طبي مقصودة، حيث يحرم الأسرى من الفحوصات الدورية والعلاجات المناسبة، وتقدم لهم مسكنات كبديل عن التشخيص والعلاج الحقيقي، حتى في حالات الأمراض المزمنة أو الخطيرة مثل السرطان وأمراض القلب والكلى. هذا الإهمال جزء من سياسة تهدف إلى إنهاك الأسرى و تصفيتهم ببطء دون اللجوء إلى أدوات الإعدام المباشر. 

ما يزيد من فداحة الجريمة هو الغطاء القانوني الذي توفره المنظومة القضائية الإسرائيلية، حيث تُرفض معظم الالتماسات التي يتقدم بها محامو الأسرى، ويتم تجاهل التقارير الطبية المستقلة. هذه المنظومة تشرعن الانتهاكات وتمنح الحصانة الكاملة لإدارة السجون، في تحد سافر للقوانين الدولية مثل اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على حماية الأسرى وحقهم في الرعاية الصحية الكاملة.

رغم استشهاد العديد من الأسرى داخل السجون نتيجة الإهمال الطبي ورغم المناشدات الحقوقية المستمرة يظل المجتمع الدولي صامتا، إن لم يكن شريكا في هذه الجريمة من خلال تجاهله المتعمد لمعاناة أكثر من 10000 أسير فلسطيني.

مؤسسة العهد الدولية تؤكد إن استمرار هذا الصمت يشجع إسرائيل على التمادي في جرائمها بحق الأسرى و تدعو المؤسسات الحقوقية، المحلية والدولية، إلى تحرك فوري وعاجل للضغط من أجل إدخال لجان تفتيش دولية إلى سجون الاحتلال، وإجراء فحوصات طبية شاملة للأسرى، وتقديم العلاج العاجل للحالات الصحية الحرجة، ومحاسبة الاحتلال على تعمده استخدام المرض كوسيلة قمع وتعذيب داخل السجون.

ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية هو جريمة مكتملة الأركان سياسة ممنهجة، غطاء قانوني وصمت دولي مريب، ومع ذلك تبقى إرادة الأسرى وصمودهم شوكة في حلق الاحتلال، ورسالة دائمة بأن الحرية حق لا يسقط بالتقادم

مواد مشابهة