بحثا عن ملاذٍ من نيران الموت، نزح أهالي قطاع غزة من منازلهم إلى المستشفيات، ليفترشوا ساحاتها، ويتلحفوا سماءها، ظنا بالأمان فيها. لكن حتى هذا الأمان الهش سرعان ما تلاشى، إذ لم تسلم المستشفيات من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي، فطالتها القذائف والحصار، وتعرض المرضى للطرد، فيما جرى اعتقال عدد من أفراد الطواقم الطبية.
تحولت المرافق الصحية من ملاجئ إنسانية إلى ساحات استهداف، وسط تصاعد الانتهاكات، وازدياد أعداد الشهداء والجرحى والمفقودين، في مشهد يختزل الألم المستمر في غزة.
ظل القطاع الطبي في قطاع غزة على خط النار طوال سنوات الحصار المتواصل منذ أكثر من 17 عاما، ومع بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في 7 أكتوبر 2023، دخلت المنظومة الصحية، بمكوناتها الإنشائية والبشرية، ضمن الاستهداف المباشر لهذه الحرب.
إذ ينص القانون الدولي الإنساني على قواعد تحمى الحصول على خدمات الرعاية الصحية في الحروب وأوقات النزاعات المسلحة، ويشدد على احترام حقوق الجرحى والمرضى في جميع الأحوال ويحظر قطعياً الاعتداء على حياتهم والعنف الموجه ضدهم، ويؤكد أن القتل العمد أو تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بأجسامهم أو صحتهم جرائم حرب باعتبارها انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف، كما أن القانون الدولي الإنساني يحمى على وجه الخصوص الطواقم والمرافق والمركبات الطبية لأنها على وجه التحديد لا غنى عنها في أوقات الحرب، وهذا ما لم تلتزم به إسرائيل على مدار احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 48 وحتى الآن، منذ أكتوبر 2023، انتهكت "إسرائيل" الحياد الطبي (عدم التدخل والاعتداء على الخدمات الطبية)، وهو ما يعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف.
الوضع الصحي داخل مشافي قطاع غزة
أصبحت المنظومة الصحية هدفاً من أهداف الحرب الإسرائيلية على غزة، دون الأخذ بأي اعتبار للقوانين الدولية والإنسانية، وفى مقدمها اتفاقية جنيف الرابعة التي تقر بشكل واضح احترام وحماية الأفراد العاملين في الحقلين الطبي والصحي، وتلك التي تقدم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والنساء في فترة النفاس، وتحث أطراف النزاع على احترامها وحمايتها في جميع الأوقات وحماية واحترام نقل الجرحى والمرضى والعجزة.
تعمدت إسرائيل منع دخول المساعدات الطبية إلى القطاع، وكذلك منع دخول العديد من الأدوات والتجهيزات الطبية، وتقليص التحويلات الطبية للعلاج في الخارج، مما شكل ضغطا مباشرًا على الطاقة الاستيعابية والإمكانيات العلاجية للمشافي وفرقها الطبية.
وأكد إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن أكثر من 12,650 جريحا في قطاع غزة بحاجة ماسة للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، في وقت يمنع فيه فتح المعابر أمام الحالات الطارئة. كما كشف عن وجود ما يزيد عن 12,500 مريض سرطان يواجهون خطر الموت، بسبب عدم توفر العلاج الكيماوي أو الإشعاعي داخل غزة، في ظل انهيار منظومة التشخيص الطبي. وأشار الثوابتة إلى أن هناك أكثر من 3 آلاف مريض بأمراض مزمنة ومعقدة بحاجة لعلاج فوري في الخارج، في حين يهدد انقطاع الأدوية والعلاجات الحيوية حياة نحو 350 ألف مريض مزمن داخل القطاع. وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت ما بين 297 إلى 339 من الكوادر الطبية، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون وفنيون، بعضهم جرى اعتقاله من داخل المستشفيات خلال العدوان، وهناك أكثر من 10 آلاف مفقود ما زالوا تحت أنقاض مئات البنايات والمنازل المدمرة منذ بداية الحرب الإسرائيلية، لم تتمكن طواقم الدفاع من انتشال جثامينهم، ولم يجرِ شملهم في إحصائية الضحايا التي تصدر عن وزارة الصحة بسبب عدم تسجيل وصول الجثامين للمستشفيات. .
ووفق ما نشرته منظمات دولية وحقوقية مثل منظمة الصحة العالمية و"هيومن رايتس ووتش"، فإن عددا كبيرا من هؤلاء لا يزالون رهن الاعتقال دون محاكمة، وسط تقارير عن تعرضهم لسوء المعاملة والتعذيب، وحرمانهم من التواصل مع ذويهم أو محاميهم، ما يشكّل خرقًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف.
وأشار تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن نمط الاعتداءات الإسرائيلية المميتة على مستشفيات قطاع غزة ومحيطها، والعمليات القتالية المرتبطة بها، دفع بنظام الرعاية الصحية إلى شفا الانهيار التام، ما أثر بشكل كارثي على قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الرعاية الصحية والطبية. وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك: "وكأن القصف المتواصل والوضع الإنساني المتردي في غزة لم يكونا كافيَيْن، فأمسى الملاذ الوحيد الذي يجدر أن يشعر فيه الفلسطينيون بالأمان، مصيدة للموت مضيفا إن حماية المستشفيات أثناء الحرب أمر بالغ الأهمية، وعلى جميع الأطراف أن تحترم هذا المبدأ في جميع الأوقات".
شهادات مؤلمة لأهالي مفقودين في مستشفيات غزة: غياب بلا أثر
لم تعد مستشفيات قطاع غزة رمزا للأمان، بعدما تحولت إلى أهداف مباشرة لهجمات الاحتلال. فمع تصاعد العدوان تجاوزت الانتهاكات كل الأعراف لتطال المشافي عبر القصف، والحصار، واقتحام الطواقم الطبية، واعتقال المرضى والمرافقين. مستشفيات كـ"الشفاء"، و"ناصر"، و"كمال عدوان" و" المعمداني" كانت في قلب الهجوم، حيث تم العثور في محيط بعضها على مقابر جماعية لضحايا مجهولي المصير. وباتت غرف العلاج مسارح موت وصمت المجتمع الدولي زاد من عمق المأساة.
هذه فصول من جريمة ممنهجة ضد المرضى والجرحى وثقتها مؤسسة العهد الدولية من خلال شهادات ذوي المفقودين الذين لا يزالون يلاحقون أثر أحبتهم وسط الركام والخذلان.
تقول عائلة المفقود طارق لمؤسسة العهد الدولية بأن طارق جمال عمر البالغ من العمر 40 عاماً، يمكث على سرير المرض في مستشفى الشفاء، برفقة أخويه وليد المصاب في الحرب، وماهر الذي يعتني بكليهما، وفي نوفمبر 2023، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء، وطلبت من النازحين مغادرة المشفى، والتوجه جنوباً، عندها خشي ماهر الأخ الأكبر المرافق على أخويه المريض والمصاب، وقرر الخروج بهما من المستشفى، ليكملا علاجهما هناك، حاصرت قوات الاحتلال المشفى، وكانت تنادي على الناس بالخروج، لكن في نفس الوقت، لم تتوقف الغارات العنيفة وزخات الرصاص كانت تنهال بكثافة، على أي شخص يتحرك خارج المشفى أو داخلها. طلب ماهر من شقيقيه أن يتبعاه ويتسللا خارج قسم العلاج زحفاً، وأن يزحفا جنوباً بين الأشجار، زحف الإخوة خارجين، ولكن هول المشهد وصراخ النازحين ومحاصرة المشفى فرقتهم ولم يعودوا سوياً، ولم يعرف أي منهم أي شيء عن أخيه، استطاع وليد النجاة بنفسه، والخروج، ثم التقى -بعد شهرين- بشقيقه ماهر، أما طارق فلم يعد منذ ذاك اليوم، ولم يره أحد، ولا يعرفون عنه شيئاً.
ويقول ناهض شهوان، من مدينة خانيونس لمؤسسة العهد الدولية، أن ابنه المصاب أحمد الذي تم بتر قدميه بسبب إصابته، حين تم قصف منزلهم بشكل مباشر، وتم نقله إثر ذلك إلى مستشفى ناصر، حيث مكث فيها، خمسة عشر يوماً، وكان يرافقه أخوه يوسف، إلى أن تم اقتحام مدينة خانيونس وحصار المستشفى. يقول ناهض شهوان إنه فقد الاتصال بابنيه في السادس عشر من فبراير 2024م، ولم يسمع عنهما أية أخبار، ولا يعلم إن كانوا أحياءً اقتيدوا إلى المعتقلات، أم أمواتاً دفنوا مجهولين في المقابر الجماعية داخل ساحة المستشفى.
ويتحدث المواطن سلامة مخيمر عن ابنه ياسين، الذي كان يرقد في مشفى ناصر وهو مُصاب بكسور في قدميه، وفيهما بلاتين، وكسر في الفك، لا يمكنه تناول الطعام إلا عن طريق السوائل والمحاليل، ومنذ ذلك التاريخ، يوم تم اقتحام المستشفى، فُقِد الاتصال بابنه، وكذلك المعلومات عن حياته أو وضعه الصحي، ويكمل سلامة: "وصلتنا أخبار غير مؤكدة بأنه معتقل، لكننا لم نتأكد من أي مصدر، أتمنى أن أعرف مصيره، وإن كان حياً، كيف هو وضعه الصحي، وهل يأخذ علاجاً أم أنه مهمل ومريض؟"
وفي شهادة أخرى لمؤسسة العهد الدولية تتحدث عائلة الشاب فارس صالح، من سكان مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، في مايو 2024، كان فارس يمارس عمله كعامل نظافة في مستشفى كمال عدوان، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى للمرة الأولى ويومها فُقِدت آثاره، تابعت عائلته كيف قام الاحتلال باعتقال الكادر الطبي وعدد من المرضى والجرحى والعاملين، واحتجاز النساء، وتدمير سيارات الإسعاف واستهداف مولدات الكهرباء، لكنهم لم يعرفوا عن ابنهم شيئاً، يقول شقيقه: إننا لا نعلم عنه شيئاً، هل تم اعتقاله أم قنصه؟ هل هو على قيد الحياة أم فارقها؟"
أكدت مؤسسة العهد الدولية أن قصص الغياب والاختفاء القسري في مستشفيات قطاع غزة ليست حالات فردية، هي جزء من نمط ممنهج من الانتهاكات التي تستهدف المرضى والجرحى والمرافقين لهم. وأوضحت المؤسسة أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، وتزيد من معاناة الأسر التي تظل تلاحق مصير أحبائها وسط ظروف من الغموض والخذلان.
هكذا تحولت مستشفيات قطاع غزة خلال هذه الحرب إلى عنوان للفقد، وساحة مفتوحة للإجرام، حيث ارتبط اسمها بالمقابر الجماعية، والإخفاء القسري، والمباني المدمّرة، وأسرّة المرضى المحترقة، وباتت المشافي شاهدة على أكبر الفظائع في التاريخ الحديث، ولا تزال هذه المؤسسات حتى اللحظة، تحت نيران الاستهداف وسط استمرار فقدان مئات الجرحى والمرافقين والنازحين الذين لجأوا إليها ظنا أنها ملاذ آمن، فإذا بها تصبح محطة أخيرة في طريق الغياب
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...