في قلب قطاع غزة، وتحديدا على امتداد ما يعرف بمحور "نتساريم"، تتجسد ملامح واحدة من أكثر الفصول دموية في الحرب الإسرائيلية المستمرة. هنا، تحت أنقاض الأبنية المنهارة وبقايا الشوارع المقطعة تتناثر حكايات الغياب والنجاة، الألم والصمود، وسط مشهد إنساني كارثي طمسته آلة الحرب وأحاطه التعتيم الإعلامي والتقييد الأمني.
لقد تحول هذا المحور إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات مروعة تتنوع بين القتل العشوائي، والاختفاء القسري، والاعتقال الجماعي في ظل غياب المعلومة، وازدياد أعداد المفقودين وتجاهل دولي مستمر لمعاناة المدنيين.
وبين ما وثق من جرائم وما بقي رهينا تحت الركام أو خلف جدران الأسر، يبقى محور نتساريم عنوانا صارخا للفقد، ومفتاحا لفهم حجم المأساة التي تتعرض لها غزة.
محور نتساريم : عودة تاريخية وأبعاد عسكرية
محور نتساريم هو منطقة استراتيجية في قطاع غزة، يمتد من الشرق إلى الغرب، ويفصل شمال القطاع عن جنوبه. يبلغ طوله حوالي 7 كيلومترات وعرضه 8 كيلومترات، ويمتد من منطقة "غلاف غزة" شرقًا وصولًا إلى البحر المتوسط غربًا.
هذا المحور كان في الأصل مستوطنة إسرائيلية أُنشئت عام 1972 وأزيلت عام 2005 مع انسحاب الاحتلال من القطاع. خلال حرب 2023 على قطاع غزة، أعاد الاحتلال استخدام هذا المحور كمنطقة عسكرية، حيث قام بتوسيعه وأقام فيه منشآت عسكرية ثابتة بهدف الإبقاء على وجود عسكري دائم فيه. كل المعطيات على الأرض وتحركات الاحتلال وأفعاله الهمجية في غزة من قتل وتدمير ممنهج تشي بأن ثمة أمرًا يتعلق بالاستيطان يُحضَّر له جيش الاحتلال في غزة.
صحيفة "يديعوت أحرونوت" قالت إن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعمل من أجل إحداث تغييرات جذرية في غزة عبر إنشاء ثلاثة محاور تقسم القطاع، وسط ترجيحات بإحياء خطط الاستيطان في بعض المناطق. وأفاد المراسل العسكري للصحيفة، يؤاف زيتون، بأن قوات الاحتلال وسّعت بشكل كبير جداً محور نتساريم الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، ووضعت منشآت عسكرية ثابتة بهدف الإبقاء على وجود عسكري دائم فيها.
لم يعد محور نتساريم مجرد ممر آمن للاحتلال الإسرائيلي تشن منه قواته عدوانها على أحياء قطاع غزة المختلفة، بل تحول إلى منطقة عمليات عسكرية ومعارك ملتهبة، يتكبد الاحتلال خسائر كبيرة على يد المقاومة الفلسطينية. تشير المعطيات الميدانية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين إلى إصرار حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على البقاء في ممر نتساريم، رغم المخاطر المحتملة التي قد تعرقل اتفاق وقف الحرب على القطاع وتبادل الأسرى مع الفصائل الفلسطينية.
في 20 أغسطس/آب الجاري، أكد رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو أن إسرائيل "لن تغادر ممر نتساريم (الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه) ومحور فيلادلفيا" على الحدود بين غزة ومصر تحت أي ظرف، مشيرًا إلى أنهما "أصول استراتيجية" لبلاده. ولا يفصح الاحتلال الإسرائيلي عادةً عن التفاصيل المتعلقة بعملياته في منطقة نتساريم، لكنه وصفها مؤخرًا بأنها "عمليات أمنية صعبة"، مما يشير إلى احتمالية تعدد أبعادها، في ظل غموض الأهداف التي يسعى الاحتلال لتحقيقها أو طبيعة المقاومة التي يواجهها هناك.
نتساريم ممر المعاناة الفائقة:
اختار الاحتلال هذا الممر في الأشهر الماضية كبوابة لإجبار النازحين الفلسطينيين على التنقل من شمال القطاع إلى جنوبه. كان مسارًا مليئًا بالعذابات لما تعرض له الفلسطينيون هناك. فمن نجى، ترك هذا الممر في وجدانه جرحًا لن يُنسى، ومن اعتقل، غيبته شح المعلومات، ومن قُتل، ترك خلفه فقدًا لا يُعوض.
منذ بداية الحرب على قطاع غزة مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، اختفت آثار أعداد كبيرة من المدنيين خلال عمليات التوغل البري للأحياء والمدن في القطاع، وسرعان ما تفاقمت المشكلة مع عمليات النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه، واختفاء أعداد منهم على حاجز نتساريم الفاصل بين شمال وجنوب القطاع.
وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن 11 ألف مفقود من غزة لم يُعرف مصيرهم بعد ، منهم شهداء لم يصلوا للمستشفيات، ومنهم مصيره مازال مجهولاً في وقت يزداد أعداد المفقودين كل يوم مع استمرار عمليات التوغل البري والقصف المستمر لمنازل المواطنين فوق رؤوسهم، ووفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة، فقد تم استقبال أكثر من عشرة آلاف طلب من عائلات تسعى للكشف عن مصير ذويها وأماكن تواجدهم. في حين تعيق الإجراءات العقابية الإسرائيلية بمنع دخول أي مؤسسات إلى السجون، معرفة مصير المفقودين. ويعمل الصليب الأحمر بالتعاون مع الحكومة في غزة على مقابلة الأسرى المفرج عنهم، في محاولة للحصول على معلومات عن مفقودين ربما تمت مقابلتهم داخل المعتقل.
جرائم في الذاكرة:
تحت ظلال واقع قاتم، وعلى طرقات محفوفة بالمخاطر، عبر النازحون الفلسطينيون حاجز نتساريم، محملين بأثقال الألم وجراح الذكريات. كان هذا الممر شاهدًا على معاناة لا توصف. في كل خطوة من رحلتهم العصيبة، كانوا يواجهون واقعًا قاسيًا.
وثقت مؤسسة العهد الدولية شهادات مروعة لذوي المعتقلين وللمعتقلين الذين غيبتهم سجون الاحتلال وعادوا للقطاع بعدم ثبوت تورطهم في أعمال عدائية تضر بالجيش الإسرائيلي وفق قوله.
تقول المحررة شيماء أبو جياب النازحة من شمال القطاع فصول معاناتها أثناء محاولتها المرور عبر محور نتساريم للمحافظات الجنوبية من القطاع: "اضطررت للنزوح من شمال القطاع تحت وطأة القصف، إذ تعرضت عائلتي وعائلة زوجي لخسائر في الأرواح والممتلكات وخلفت مصابين بحاجة ماسة للعلاج. وبعد أن اقتحم الجيش مستشفى الهلال الأحمر في جباليا، أجبرنا على التوجه للمناطق الجنوبية. بعد تنسيق طويل، سمح لنا بالتوجه بسيارة إسعاف للجنوب عبر حاجز نتساريم. عند وصولنا هناك، أمر الجيش بتفتيشنا بشكل مهين ونظر في أوراقنا الثبوتية مرارًا وتكرارًا، وأخذ لنا صورًا تلو الأخرى دون إبداء أي تبرير لكل هذه الأفعال المشينة."
وتقول المحررة عبير غبن: "اعتقلت أثناء مروري عبر الممر الآمن، أخذوا مني كل شيء، الهوية الشخصية وأغراضي التي كنت أحملها. أخذونا مع جمع من النازحين إلى منطقة مرتفعة، فتشونا بشكل دقيق، ربطوا أيدينا وعصبوا أعيننا. بقينا في هذا المكان لفترات متأخرة من الليل، ثم نقلونا من محور نتساريم لمكان غير معلوم للتحقيق. مكثت فيه مدة ٨ أيام، وبعدها نقلوني للدامون ومكثت في سجن الدامون مدة ٥٣ يومًا."
أما أحمد اللوح 21 عاما اختفى عند حاجز نيتساريم بشهر مارس من العام الجاري، وشقيقه مصطفى اختفى قبله بشهرين من بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، بقيت الحسرة في قلب أمهما التي تنتظر خبرًا واحدًا حتى تستريح.
بينما كان طارق جمال عمر البالغ من العمر 40 عاما، يمكث على سرير المرض في مستشفى الشفاء، برفقة أخويه وليد المصاب في الحرب، وماهر الذي يعتني بكليهما، وفي نوفمبر 2023، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء، وطلبت من النازحين مغادرة المشفى، والتوجه جنوباً، عندها خشي ماهر الأخ الأكبر المرافق على أخويه المريض والمصاب، وقرر الخروج بهما من المستشفى، ليكملا علاجهما هناك، حاصرت قوات الاحتلال المشفى، وكانت تنادي على الناس بالخروج، لكن في نفس الوقت، لم تتوقف الغارات العنيفة وزخات الرصاص كانت تنهال بكثافة، على أي شخص يتحرك خارج المشفى أو داخلها، طلب ماهر من شقيقيه أن يتبعاه ويتسللا خارج قسم العلاج زحفا، وأن يزحفا جنوبا بين الأشجار، زحف الإخوة خارجين، ولكن هول المشهد وصراخ النازحين ومحاصرة المشفى فرقتهم ولم يعودوا سوياً، ولم يعرف أي منهم أي شيء عن أخيه، استطاع وليد النجاة بنفسه، والخروج، ثم التقى -بعد شهرين- بشقيقه ماهر، أما طارق فلم يعد منذ ذاك اليوم، ولم يره أحد، ولا يعرفون عنه شيئاً.
ويحدثنا جمعة شملخ، من حي الزيتون عن ابنه زاهر ذي الثلاثة وعشرين ربيعاً، الشاب الطيب المحب للخير، وكيف كان يساعد الناس في منطقة قريبة من شارع صلاح الدين، وينقل لهم المياه، بسبب شح المياه هناك، وكان أحياناً يعمل على إسعاف الجرحى ونقل الشهداء مستخدماً وسيلة النقل الوحيدة المتاحة: الكارة (عربة يجرها حمار). في نهاية أكتوبر، طلبت عائلة تنوي النزوح من زاهر أن يساعدهم في نقل متاعهم إلى منطقة النصيرات وسط القطاع، بحمله على الكارة مروراً بشارع صلاح الدين عبر "الممر الآمن"، يتحدث جمعة وهو يبتلع غصّته، كيف كان ذلك اليوم مرعباً، حيث لم يتوقف القصف، وكانت المجازر في كل مكان، ويخبرنا بعينين دامعتين كيف ودّع ابنه، واستودعه الله، ولم يره منذ تلك اللحظة. غلب الحاج جمعة شملخ البكاء وهو يقول: "لم أترك جهة إلا سألتها عنه، سواء الصليب الأحمر أو المؤسسات المعنية، ونشرت صوره في كل مكان، لكن دون فائدة".
وتقول والدة المفقود يوسف مقبل( 24 عاما ) بأن ابنها نزح من مدينة غزة إلى جنوبها أواخر يوليو الجاري، واختفت آثاره منذ ذلك الوقت حتى تسجيل هذه الشهادة. لم تستطع رغم كل محاولاتها معرفة مصير ابنها، إن كان على قيد الحياة أو اعتُقل.
هناك، على أرض تتقلص كل يوم أكثر، تبكي قلوب حدّ الاختناق، حيل بينها وبين أحبابها، حين فصلت بينهم ربع ساعة، وحاجز مشئوم، وحرب مسعورة.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...