الثلاثاء 7 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

أصفاد على معصمٍ صغير ،،، أطفال فلسطين في جحيم الاعتقال

26 مايو 2025 قراءة 44 دقيقة

تشكل معاناة الأطفال الفلسطينيين في سجون الاحتلال فصلاً مأساويًا من فصول القهر الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ، فأطفال فلسطين ، الذين من المفترض أن يعيشوا طفولتهم بسلام وأمان، يجدون أنفسهم في مواجهة أصفاد وسجون ، حيث تُنتهك أبسط حقوقهم الإنسانية ، يواجه فيها الأطفال الفلسطينيون اعتقالاتٍ تعسّفية في ظروف قاسية وممارسات لا إنسانية ، مما يترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة قد تؤثر على حياتهم المستقبلية.

لم يكن الأطفال الفلسطينيون في يوم من الأيام بمنأى عن آلة الاحتلال الإسرائيلي وبطشه ، فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ، بدأت سلطات الاحتلال باستهداف الأطفال بحملات الاعتقال الممنهجة، في البداية ، كان اعتقال الأطفال يتم بشكل محدود كجزء من الحملات العسكرية ، لكنه سرعان ما تحول إلى سياسة ثابتة، خصوصًا مع اندلاع الانتفاضات الفلسطينية، حيث اتخذ اعتقال الأطفال طابعًا جماعيًا ومنظمًا ، فخلال انتفاضة الحجارة عام 1987، برز اعتقال الأطفال بشكل مكثف، مع تسجيل مئات الحالات ، إذ كان الأطفال يتصدرون المواجهات الشعبية ، حاملين الحجارة في مواجهة جنود مدججين بالسلاح .

وفي " انتفاضة القدس " التي اندلعت في الأول من تشرين أول/ أكتوبر2015 ، سُجل ( 4034 ) حالة اعتقال لأطفال قُصّر ، وفقاً لمؤسسات الأسرى .

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، تصاعدت موجات الاعتقال بحق الأطفال، وأُدخلت تعديلات على القوانين العسكرية الإسرائيلية لتشمل محاكمة الأطفال الفلسطينيين وفقًا لقوانين قاسية تُشابه تلك التي تُطبق على البالغين.

وتُقدر مؤسسات الأسرى ، أن سلطات الاحتلال ومنذ العام 1967 ، اعتقلت أكثر من 50 ألف طفل فلسطيني منهم نحو 20 ألف طفل منذ اندلاع انتفاضة الاقصى عام 2000 .

إلا أنه ومنذ السابع من أكتوبر 2023 وفي ضوء حرب الإبادة على غزة ، تشكلت مرحلة جديدة داخل سجون الاحتلال هي الأكثر دموية ووحشية بحق الأسرى الفلسطينيين عامة ، والأطفال الأسرى خاصة ، الذين كان لهم نصيباً من الاجراءات الانتقامية التي مارسها الاحتلال بحق الاسرى الفلسطينيين دون مراعاة لخصوصية ظروفهم واعمارهم .. منذ بدء حرب الإبادة، تعرض ما لا يقل عن 770 طفلاً من الضفة تقل أعمارهم عن 18 عاما، للاعتقال على يد قوات الاحتلال، ولا يشمل ذلك من أبقى الاحتلال على اعتقاله، ومن أفرج عنه لاحقاً ، ويقبع اليوم في سجون الاحتلال 400 طفل فلسطيني منهم 140 طفل بأحكام فعلية، 120 طفل تحت قيد الاعتقال الاداري بدون تهم واضحة ، والبقية موقوفون في أوضاع اعتقالية صعبة وقاسية .

حتى اليوم، لا تزال سلطات الاحتلال تمارس اعتقال الأطفال بشكل واسع، حيث يتم اقتحام المنازل في ساعات الفجر، واعتقال القُصّر دون احترام لحقوقهم الأساسية، بما في ذلك حقهم في الحماية والرعاية الخاصة المنصوص عليها في اتفاقيات حقوق الطفل الدولية ، ويُعد اعتقال الأطفال الفلسطينيين واحدة من أبرز الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق الطفولة الفلسطينية، حيث يقترن الاعتقال بأساليب قاسية من التعذيب النفسي والجسدي، وإجراءات قانونية جائرة ، لا يتورع الاحتلال فيها عن اعتقال الأطفال دون لوائح اتهام واضحة ، مما يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على حياة هؤلاء الأطفال ومستقبلهم.

اعتقال الأطفال الفلسطينيين ليس مجرد عملية سجن، بل هو عملية تدمير نفسي وجسدي تترك آثارًا عميقة على حياتهم ومستقبلهم ، في هذا التقرير ، تستعرض مؤسسة العهد الدولية مراحل اعتقال الأطفال الفلسطينيين ، أساليب التحقيق معهم ، تأثير الحبس المنزلي ، تأثير الأحكام القاسية عليهم ، وكذلك دور المؤسسات الدولية في مواجهة هذه الانتهاكات.

فعلى من تقع مهمة اعتقال الأطفال الفلسطينيين ؟

" يتعرض آلاف الأطفال الفلسطينيين، في انتهاك صارخ لحقوقهم، للاعتقال من قبل القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية. يتم احتجازهم في ظروف قاسية وغير إنسانية تشمل الاعتقال في مراكز التحقيق العسكرية حيث يواجهون التعذيب والإساءات الجسدية والنفسية."
تقرير اليونيسف ( 2013 ) .

وظّف الاحتلال كل أجهزته الأمنية بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، الشاباك، الشرطة العسكرية، المخابرات وحرس الحدود ، لملاحقة الفلسطينيين وخاصة الأطفال منهم ، باستخدام كافة الأساليب القمعية ،وقد لعبت تلك الأجهزة دوراً محورياً في عمليات الاعتقال التي تتم بشكل تعسفي، عنيف، ومخالف للقانون الدولي، وغالبًا ما يصاحبها تعذيب نفسي وجسدي ، هذه العمليات تعتبر جزءًا من المنظومة الشاملة التي تهدف إلى قمع الأطفال والشباب الفلسطينيين، وتحقيق السيطرة على المجتمع الفلسطيني بشكل عام.

تتعامل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة مع الأسرى الفلسطينيين بأدوار متكاملة، تبدأ من الاعتقال الميداني، مرورًا بالتحقيق، وحتى إدارة السجون. وجميع هذه الأجهزة تعمل بتنسيق مع بعضها، وتستخدم الاعتقال كأسلوب رئيسي لترهيب واحتجاز الأطفال الفلسطينيين.

من أبرز القوات التي تتولى عمليات اعتقال الفلسطينيين :

  • جيش الاحتلال الاسرائيلي :

ويعدّ القوة الرئيسية التي تتولى عمليات الاقتحام والاعتقال في المناطق التي تُصنّف " C " حسب اتفاقيات أوسلو ، فيتواجد جيش الاحتلال بشكل رئيسي في الضفة الغربية ، خاصة في مدن الخليل، نابلس، جنين، رام الله، إضافة إلى القدس الشرقية ، وينفذ عمليات اعتقال شبه يومية داخل المناطق الفلسطينية ، يتم الاعتقال غالبًا خلال المداهمات الليلية لمنازل الأطفال أو في نقاط التفتيش المنتشرة على الطرقات ، كما ويعتقل الأطفال في إطار مداهمات جماعية أو استهدافات فردية ، كما يشارك في تنفيذ العمليات العسكرية التي تشمل مهاجمة المناطق السكنية، تدمير الممتلكات، واقتحام المنازل.

خلال اعتقال الأطفال يتم التعامل معهم بشكل عنيف جدا ، بما في ذلك الضرب، التهديد، التنكيل ، وبعض الأطفال يواجهون التهديدات لاعتقال أفراد آخرين من عائلاتهم إذا لم يتعاونوا أو يعترفوا بما يُتّهمون به ، كما يتم أحيانًا تقييد الأطفال وضربهم في محطات التفتيش أو خلال النقل إلى مراكز التحقيق ، يعتبر الجيش الاسرائيلي مسؤولاً عن ادارة المعسكرات والسجون العسكرية التي يُحتجز فيها عدد من الأسرى الفلسطينيين مثل المعسكرات التي تم اعادة فتحها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 كمعسكر سدي تيمان ومنشة حيث تقع تحت ادارة جيش الاحتلال بشكل مباشر .

وحدات المستعربين:  

وهي قوات متخفية في زي المدنيين تقوم باختطاف واعتقال الأطفال من الشوارع والمنازل بشكل مفاجئ.

الشرطة الاسرائيلية :

تعمل الشرطة الإسرائيلية بشكل رئيسي في القدس والبلدات الفلسطينية داخل "الخط الأخضر" الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨، بالتعاون مع الجيش والشاباك، تشارك في اعتقال الأطفال الفلسطينيين ، تقوم شرطة الاحتلال الإسرائيلية بتنفيذ مداهمات واعتقالات خلال احتجاجات أو مواجهات مع القوات الإسرائيلية ، تستخدم الشرطة أساليب الضغط النفسي مع الأطفال الذين يتم اعتقالهم أثناء الاحتجاجات، حيث يواجهون احتمالًا بالاحتجاز لفترات طويلة أو التعرض للتعذيب إذا رفضوا التعاون أو "الاعتراف" ، التحقيقات مع الأطفال غالبًا ما تتم دون إشراف قانوني، وتُوجه للأطفال اتهامات غير واضحة تتعلق بالتحريض أو المشاركة في مظاهرات ، الشرطة تقوم بمداهمة المنازل، وتتعامل مع الأطفال بشكل قاسي، حيث يتم تقييدهم وإخضاعهم لفترات طويلة من الاعتقال، وغالبًا ما تُوجه لهم تهم غير دقيقة أو بدون دليل ملموس .

 الشاباك ( (Shin Bet جهاز الأمن العام الإسرائيلي :

يُعتبر جهاز الشاباك المسؤول الرئيسي عن التحقيقات الأمنية والاستخباراتية، وهو المسؤول الأول عن استجواب الأسرى والتحقيق معهم ، كذلك يلعب دورًا في التنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى في إسرائيل مثل الشرطة وجيش الاحتلال فيما يخص قضايا الأسرى ، كما يُعتبر الشاباك مسؤولًا عن قمع أي نشاط يُعتبر تهديدًا لأمن إسرائيل، بما في ذلك الأنشطة الشبابية الفلسطينية.

يشارك الشاباك بشكل رئيسي في استجواب الأطفال المعتقلين، وغالبًا ما يتم إجراء التحقيقات في مراكز التحقيق الإسرائيلية مثل المسكوبية في القدس أو بتاح تكفا ، ويُعرف باستخدام أساليب التعذيب النفسي والجسدي خلال التحقيقات مع الأطفال.

شرطة الحدود : (Border Police)

تُعتبر شرطة الحدود وحدة إضافية تعمل في المناطق الفلسطينية، خصوصًا في القدس الشرقية، حيث تُنفذ عمليات اعتقال للأطفال الفلسطينيين ، وتتعامل مع المظاهرات أو الاحتجاجات التي قد تشمل أطفالًا ، وهي وحدة خاصة تتبع للشرطة الإسرائيلية، وتعمل على الحدود بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

تُكلف الشرطة الحدودية بالتحقيق في الأنشطة الفلسطينية ، خاصة في القدس الشرقية والمناطق القريبة من الجدار العازل ، حيث يكون الأطفال الفلسطينيون عرضة للاعتقال في العديد من الحالات.

تستخدم شرطة الحدود القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين، بما في ذلك الأطفال، وتعتقلهم بتهم مثل "إلقاء الحجارة" أو "التحريض".

تشارك شرطة الحدود بشكل رئيسي في إلقاء القبض على الأطفال أثناء الاحتجاجات، وأحيانًا تفرج عنهم بعد تعرضهم للتحقيق والتعذيب في مراكز الاعتقال .

مع هذه القوات ، تتنوع أساليب الاعتقال ليتركز أغلبها على الاقتحام المفاجئ للمنازل في ساعات الليل المتأخرة، مما يخلق حالة من الرعب في صفوف الأطفال ، واستخدام الاحتلال لأساليب الترويع والترهيب أثناء الاعتقال ومنها تفجير الأبواب عند اقتحام المنازل، واستخدام الكلاب البوليسية، والاعتداء عليهم بالضّرب المبرّح أمام ذويهم، وإطلاق النار عليهم خلال اعتقالهم، وإبقائهم مقيدي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين قبل نقلهم إلى مراكز التّحقيق والتّوقيف .وضرب أفراد من عائلاتهم أمامهم ، تكسير محتويات المنزل .

كما يمكن أن يتم اعتقال الاطفال من الشارع ويتم ذلك خلال لعب الأطفال أو الوقوف مع أصدقائهم أو أثناء مشاركتهم في أنشطة مقاومة الاحتلال ، كما يمكن اعتقال الاطفال عند المرور على الحواجز العسكرية المختلفة التي تفصل بين مدن الضفة الغربية وقراها ، حيث توضع أسماء الأطفال المطلوبين على قوائم عند نقاط التفتيش .

ومن جملة ما يقع على الأطفال من انتهاكات أثناء الاعتقال: أن يمنعوا من مرافقة أهاليهم أثناء التحقيق، أو يحرموا من الحقّ في استشارة محام قبل بدء التحقيق معهم، أو يحرموا من النوم لساعات طويلة، أو أن يجبروا على التوقيع على إفادتهم المكتوبة باللغة العبرية دون أن يتأكدوا من مطابقة ما كتب فيها مع أقوالهم.
ومن أشدّ أنواع الانتهاك الاعتداء الجسديّ متمثلاً بالضرب العنيف وأحياناً الضرب بالكهرباء ، ويروي كثير من الأطفال أنه فور وصولهم مركز التحقيق يُجبرون على الجلوس أرضاً على رُكبِهم ووجوههم إلى الحائط، بينما يقوم أفراد شرطة الاحتلال بضربهم كلّما مرّوا من طريقهم.

أساليب التحقيق مع الأطفال الفلسطينيين : ممارسة الضغط النفسي والجسدي

"كنت أظن أني سأعود إلى المدرسة بعد أسبوع، لكنهم أخذوني إلى مكان لا يُشبه العالم... لم أكن أفهم لماذا أنا هنا ،، كانوا يصرخون في وجهي، ويمنعونني من النوم ،، بعد خروجي، لا أستطيع العودة للنوم الطبيعي، حتى أمي صرت أخاف أن تلمسني."

بين جدران الزنازين الإسرائيلية ، لا يُحتجز الأطفال الفلسطينيون كأطفال ، بل يُعاملون كـ "خطر أمني" يستحق العقاب ، ولذلك فإنّ جميع من مرّ بتجربة الاعتقال من الأطفال ، كانوا قد تعرضوا لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والاهانة والمعاملة القاسية ، واحتجزوا في ظروف صعبة وعُوملوا بقسوة بالغة .

وتُعتبر أساليب التحقيق مع الأطفال الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي من أسوأ الانتهاكات التي تتعرض لها هذه الفئة ، ومن خلال التقارير الحقوقية والشهادات المباشرة ، يتم احتجاز الأطفال في ظروف قاسية، يتعرض خلالها الأطفال للتحقيق في ظروف قاسية قد تستمر لساعات طويلة دون فترات راحة ، وغالباً ما يتم التحقيق مع الأطفال في ساعات الليل المتأخرة .

نجد أن الأطفال يُجبرون على التوقيع على اعترافات بالإكراه ، أو يتعرضون للتعذيب الجسدي والنفسي ، ويشمل ذلك التهديد بعقوبات قاسية، أو استهداف العائلة، في حين يتم تهديد الأطفال بالمزيد من العنف والاعتقال الطويل ، كما يتضمن التحقيق مع الأطفال الضرب المبرح ، و  يُحتجز الأطفال في العزل الانفرادي، حيث يتم إبقاؤهم في زنزانة مظلمة وصغيرة لفترات طويلة، دون تواصل مع أحد ،  يُستخدم العزل لفترات طويلة كوسيلة لزيادة الضغط على الأطفال بهدف الحصول على اعترافات قد تكون مزيفة أو مأخوذة تحت التهديد والضغط النفسي .

 في فترة التحقيق يتم حرمان الأطفال الأسرى من النوم واستخدام حاجة الاطفال للطعام وقضاء الحاجة في الضغط عليهم للإدلاء باعترافات تخص التهم الموجهة اليهم أو الاعتراف على آخرين ، بالإضافة الى الحرمان من مقابلة المحامي والصليب الأحمر مما يُشكل ضغطاً وخوفاً اضافياً على نفسية الطفل المعتقل ، فهو وحيداً في مواجهة المحقق .

كما قد يُجبر الأطفال على التوقيع على اعترافات كاذبة أو الإفصاح عن أسماء آخرين مقابل وعد بالإفراج عنهم، وتوقيعهم على اعترافات باللغة العبرية لا يعرفون مضمونها وهو ما يُعد جزءًا من السياسات الاستجوابية التي ينتهجها الشاباك.

في تقرير أصدرته الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فرع فلسطين - بعنوان " تعسفي بشكل تلقائي- الأطفال الفلسطينيون في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية " .

أشارت " الحركة العالمية " ، إلى أنها وثقت إفادات 766 طفلا فلسطينيا من الضفة الغربية اعتقلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي في الفترة ما بين 2016 و2022 أظهرت أن ثلاثة أرباعهم تعرضوا لشكل من أشكال العنف الجسدي بعد الاعتقال، و97% منهم لم يكن أحد الوالدين موجودا خلال التحقيق معهم، كما لم يتم إبلاغ ثلثيهم بحقوقهم بشكل صحيح، فيما خضعوا جميعهم للقانون العسكري الإسرائيلي الذي يخلو من ضمانات المحاكمة العادلة والرعاية والحماية التي يجب أن يتمتع بها الأطفال، فقد تمت محاكمتهم في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلي غير المستقل أو المحايد.

وأضافت " الحركة العالمية " أن معظم الأطفال الفلسطينيين تم اعتقالهم لمجرد الاشتباه، دون أوامر توقيف، ولم يذكر أي من الأطفال البالغ عددهم 766 طفلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعطتهم مذكرة توقيف وقت اعتقالهم.

وقد أفاد 111 طفلا فقط من أصل 766 (14.5٪) بأنهم أبلغوا بشكل عام عن سبب الاعتقال، ما يعني أن 85.5٪ من الأطفال ليس لديهم معلومات عن سبب اعتقالهم لحظة الاعتقال.

كذلك، أفاد 32 طفلا فقط من أصل 766 (4.2 %) بأنهم تلقوا استدعاءً من سلطات الاحتلال الإسرائيلي للتحقيق، وهذه الاستدعاءات لا ترقى إلى الحد الأدنى لتشكيل مذكرة توقيف لأنها لا تتضمن سبب الاشتباه أو معلومات عن أي تهم.

وأكد التقرير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تتجاهل بشكل منهجي وتنكر الضمانات والحماية الأساسية المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة للأطفال الفلسطينيين، إلى الحد الذي يجعل أي حرمان من الحرية في نظام المحاكم العسكرية تعسفيا.

كما خلص إلى أن سلطات الاحتلال تعتقل بشكل منهجي الأطفال في الضفة الغربية المحتلة، دون أي محاولة لإصدار أوامر اعتقال من شأنها أن تضع الأساس القانوني للاعتقال، وأنها لا تشرح أو تبلغ الطفل أو أسرته بأسباب الاعتقال، كما تحرم بشكل منهجي الأطفال من حقهم في الحصول الفوري على المساعدة القانونية ووجود أحد أفراد الأسرة أثناء التحقيق.

في تقاريرها الدورية ، تؤكد هيئة شؤون الأسرى والمحررين على تعرض الكثير من الأطفال المعتقلين لاعتداءات وحشية وضرب وإهانة على يد قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي لحظة اعتقالهم وخلال استجوابهم داخل أقبية التحقيق ، ومنها ما جرى مع الشبل أحمد خشان (16 عامًا) الذي اعتقلته سلطات الاحتلال عقب مداهمة منزله بقرية بير الباشا في جنين.

وقال خشان إن جنود الاحتلال انهالوا عليه بالضرب المبرح، وأطلقوا كلبًا بوليسيًّا نحوه قام بعضّه وسبّب له جرحًا عميقًا، واقتادوه بعد ذلك إلى سيارتهم وواصلوا الاعتداء عليه.

وأفاد بأن جنود الاحتلال الإسرائيلي تعمدوا ضرب رأسه ، قبل نقله إلى مستوطنة (دوتان)، حيث قاموا برشه بالماء البارد وركله طوال فترة احتجازه.

وخضع خشان وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين لجولات عدة من التحقيق استمر كل منها أكثر من 8 ساعات متواصلة، وجرى احتجازه في زنازين الجلمة 30 يومًا واجه خلالها ظروف اعتقال مؤلمة قبل نقله إلى قسم الأشبال في " مجدو " .

أيضاً وثّقت الهيئة تعرّض كرم عبيد (17 عامًا) من القدس المحتلة للضرب على يد محققي الاحتلال خلال استجوابه بمركز توقيف " المسكوبية " حيث تعمّد المحققون ضربه بعنف وشد شعره لإجباره على الاعتراف بالتهم الموجه إليه.

"رأيت الواقع المرعب لسجن الأطفال الفلسطينيين"
في شهادة مؤثرة ومفصلة، كشف الناشط الحقوقي الفلسطيني الأمريكي فادي قرعان عن تفاصيل صادمة لما شاهده بنفسه من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأطفال الفلسطينيين داخل المعتقلات، وذلك خلال تجربة اعتقاله في عام 2012 ، وسلّطت شهادته الضوء على الانتهاكات الممنهجة بحق القاصرين، والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم، بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية.

ففي 24 فبراير 2012، كان فادي يشارك في المسيرة السنوية لفتح شارع الشهداء المغلق منذ عام 1994 في مدينة الخليل، حين اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي بوحشية بعد رش وجهه بغاز الفلفل وضربه بعربة عسكرية، حسبما أفاد في مقال نُشر له في مجلة ( (Time الأمريكية في 14 ديسمبر 2023 .

يقول قرعان إنه وخلال نقله في عربة عسكرية إلى مستوطنة كريات شمونة، صعد الجنود الإسرائيليون بطفل مكبّل إلى جانبه ، وكان الطفل البالغ من العمر 14 عامًا فقط، في طريقه لزيارة شقيقته قبل أن يُعتقل عشوائيًا.

"كان مرعوبًا، يتوسل ألا يرشوه بغاز الفلفل كما فعلوا معي"، يروي قرعان، "لكنهم صفعوه بدلًا من ذلك وأدخلوه للتحقيق".

داخل مركز التحقيق، وُوجه الطفل بتهديد مباشر من المحقق الإسرائيلي، الذي هدده بتحويل حياة عائلته إلى جحيم إذا لم يوقع على شهادة تفيد بأن فادي هو من حرضه على رشق الحجارة ، بل وصل التهديد إلى حد رفع المسدس في وجه الطفل لإجباره على الاعتراف، رغم إنكاره معرفته بفادي.

لاحقًا، وجّهت له تهمة إلقاء الحجارة بناءً على "شهادة" الجنود، في حين اتُّهم قرعان بـ "الاعتداء على جنود"، وهي تهمة قد تُفضي إلى ثلاث سنوات من السجن.

أُطلق سراح قرعان لاحقًا بعد ضغط دولي وشهادات فيديو تثبت براءته، لكنه علم لاحقًا أن الطفل قضى ثلاثة أشهر في السجن، بعد أن نُصح من قبل محاميه بالاعتراف لتقليص مدة احتجازه، خوفًا من المماطلة في محاكمته العسكرية.

هذه الحادثة، كما يقول قرعان، ليست استثناء ، إذ تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن بين 500 و700 طفل فلسطيني يُعتقلون سنويًا من قبل سلطات الاحتلال.

يرى فادي أن اعتقال الأطفال لا يهدف فقط إلى العقوبة، بل إلى "زرع العجز في نفوسهم"، من خلال تجريدهم من الشعور بالسيطرة، وتأخير مسيرتهم الدراسية، وتركهم يعانون من اضطرابات نفسية عميقة دون علاج.

ويضيف: "كثير من هؤلاء الأطفال يفقدون عامًا دراسيًا أو أكثر، ويعودون إلى مدارسهم متأخرين عن زملائهم، مثقلين بصدمات لا يُلتفت لها".

شهادة الناشط قرعان ، تُؤكدّ استخدام الاحتلال للأساليب القاسية أثناء التحقيق مع الأطفال في مخالفة صريحة للمادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل في المعاملة الانسانية والكرامة ، التي تنص على حق الطفل في الحرية، وحمايته من الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي ، ومنافياً لاتفاقية مناهضة التعذيب التي تنص على عدم التعذيب والمعاملة القاسية ، إضافة الى مخالفتها للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فيما يتعلق بالحق في المحاكمة العادلة والتمثيل القانوني .

أماكن احتجاز الأطفال الأسرى وظروفها ،، جحيم الطفولة المسروقة

كنت أشعر أن كل لحظة في الزنزانة تأخذ مني جزءًا من روحي، لم أعد أعرف كيف أكون طفلًا.

وفق تقارير مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية، يقبع في سجون الاحتلال حوالي 400 طفل فلسطيني تقل اعمارهم عن 18 عاماً ، بينهم ما يُقارب 200 طفل أسير رهن الاعتقال الاداري، و29 أسير طفل محكومون بأحكام مختلفة ، وما يقارب 180 أسير طفل موقوفين بانتظار المحاكمة.

وقد بلغت عدد حالات الاعتقال بين صفوف الأطفال من بعد السابع من اكتوبر 2023 نحو 770 حالة اعتقال حتى 1/5/2025 ، أكثر من 90% من هؤلاء الأطفال يتعرضون لتحقيقات قاسية لا تتناسب مع أعمارهم ، بينما يبلغ متوسط أعمار الأطفال المعتقلين بين 12 و17 سنة، ولكن هناك حالات اعتقال لأطفال تحت سن 12.

وتجدُر الإشارة فيما يتعلق بأعداد الأسرى من الأشبال ، أن هناك 4 أسرى من أشبال غزة تم الاعتراف بوجودهم حتى شهر 5/2025 ، غير أن هذه الاحصائيات لا تشمل أعداد الأسرى الأطفال من قطاع غزة الذين يُمارس الاحتلال بحقهم سياسة الإخفاء القسري .

تتغير أماكن احتجاز الأطفال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من وقت لآخر، لكن هناك سجون ومراكز تحقيق واعتقال معروفة يحتجز فيها الاحتلال الأطفال بشكل دائم أو جزئي ، وأبرزها :

مراكز التحقيق والتوقيف :

( مثل مركز توقيف حواره بالقرب من نابلس ، ومراكز التحقيق كمركز تحقيق المسكوبية في القدس ، مركز تحقيق بيتح تكفا ، مركز تحقيق عتصيون بين مدينة بيت لحم والخليل ) في مراكز التوقيف والتحقيق ، يتعرض الأطفال لتعذيب نفسي وجسدي، وعادة ما يتم انتزاع الاعترافات منهم فيها.

أما السجون المركزية التي يتواجد فيها الأطفال الأسرى :

سجن عوفر : ويقع بالقرب من مدينة رام الله ، ويستخدم لاحتجاز عدد كبير من الأطفال خاصة من الضفة الغربية ، وحسب الاحصائيات الخاصة بمؤسسات الأسرى فإن هناك 160 شبل يتواجد في معسكر عوفر .

سجن مجدو : يقع في شمال فلسطين المحتلة (قرب مدينة جنين) ، فيه قسم مخصص للأطفال، وغالبًا ما يُحتجز فيه الأطفال فوق سن 16 ، يُعرف بظروفه القاسية ، وحالياً يتواجد فيه 160 شبل فلسطيني .

سجن الدامون : يقع في شمال فلسطين قرب حيفا ، في السنوات الأخيرة، أصبح من السجون الأساسية لاحتجاز الأسيرات، وتم نقل عدد من الأطفال الأسرى إليه أيضًا ، ظروفه صعبة وغير مناسبة للأطفال .

يُشرف على السجون المركزية التي يتواجد فيها الأسرى الأطفال إدارة مصلحة السجون ، التي تتولى إدارة السجون والتحكم في الظروف اليومية للأسرى بما في ذلك الزيارات، التعليم، العلاج الطبي .

" تستمر إسرائيل في انتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين بموجب القانون الدولي، حيث يواجه الأطفال المعتقلون في السجون الإسرائيلية معاملة غير إنسانية، بما في ذلك العزل الانفرادي، والحرمان من الزيارات العائلية، والإساءات الجسدية والنفسية."
منظمة العفو الدولية ( 2019 )

لا يمكن وصف الظروف التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية إلا بأنها من أسوأ المآسي الإنسانية في العصر الحديث ، هؤلاء الأطفال، الذين لم يتجاوز بعضهم سنوات الطفولة الأولى، يُجبرون على مواجهة واقع قاسٍ يتسم بالحرمان، الإهمال، والعنف النفسي والجسدي المتواصل.

داخل هذه الزنازين المظلمة، يُحرم الطفل من أبسط حقوقه الإنسانية : حق النوم في سرير مريح، حق الطعام الصحي، حق العناية الطبية، وحق التواصل مع عائلته ، كما تُمارس بحقهم ممارسات تعذيب نفسية وجسدية، مثل العزل الانفرادي، التهديد المستمر، التحقيقات القاسية التي قد تصل إلى ساعات طويلة، والحرمان من اللعب والتعليم، مما يُلقي بظلال قاتمة على نفسية الطفل ويزرع في داخله صدمات عميقة يصعب شفاؤها.

يعيش الأطفال الفلسطينيون المعتقلون في سجون الاحتلال الإسرائيلي تحت ظروف قاسية تتجاوز الوصف، حيث تُعد الزنازين التي يُحتجزون فيها بيئة لا تحتمل لأي إنسان، ناهيك عن طفل في ريعان شبابه.

تتسم الزنازين بالضيق الشديد، وغالبًا ما تُكتظ بأكثر من طفل في مساحة صغيرة جدًا لا تسمح حتى بالحركة الطبيعية ، هذه الكثافة تؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق، خصوصًا عندما يُحرم الطفل من خصوصيته ومساحته الشخصية التي هي حاجة أساسية في عمره.

أما الغذاء المقدم في السجون، فهو غير صحي ولا يلبي الاحتياجات الغذائية للطفل النامي، وغالبًا ما يكون غير كافٍ من حيث الكمية أو النوعية. يعاني الأطفال من نقص في الفيتامينات والعناصر الأساسية التي تحافظ على صحتهم ونموهم، مما يجعلهم عرضة للأمراض بسهولة.

الماء النظيف أيضًا من نواقص الحياة داخل السجن، حيث يُقدم أحيانًا ماء غير صالح للشرب أو محدود الكمية، مما يزيد من معاناة الأطفال خصوصًا في أوقات الحرارة العالية أو المرض.

على صعيد الرعاية الصحية، يعاني الأطفال من إهمال متكرر، حيث يُمنعون أو يؤخرون تلقي العلاج الطبي الضروري لهم، حتى في حالات الأمراض المزمنة أو الإصابات الناتجة عن الاعتداءات ، ناهيك عن معاناة الأسرى من الرطوبة العالية، سوء التهوية، وتدهور النظافة في الأقسام والزنازين .

أما التعليم فيُحرم العديد من الأطفال المعتقلين من حقهم في التعليم، حيث لا تتوفر لهم الفرص لتلقي الدروس أو لمواصلة دراستهم. وهذا يؤدي إلى تأخرهم الدراسي وفقدانهم فرصة للالتحاق بالتعليم بعد الإفراج عنهم.

هذه الظروف لا تهدد حياة الطفل فقط جسديًا، بل تترك آثارًا عميقة في نفسيته، إذ يعيش في قفص من الألم والحرمان، محروم من أبسط حقوقه الإنسانية، ومتروك ليواجه وحيدًا أهوال السجن.

طفولة خلف القضبان: الآثار النفسية العميقة لاعتقال الأطفال الفلسطينيين

"الاعتقال المفاجئ يزرع في الطفل شعورًا عميقًا بعدم الأمان ، يشعر أنه لم يعد محميًا في العالم ، حتى في حضن والديه."

لا شيء يمكن أن يبرر اعتقال طفل، ولا شيء يضاهي حجم الأثر الذي يتركه التحقيق القاسي في نفسٍ صغيرة لم تكتمل ملامحها بعد. في فلسطين، يقبع عشرات الأطفال خلف قضبان الاحتلال، يتعرضون لأشكال متعددة من العنف الجسدي والنفسي، دون أي اعتبار لأعمارهم أو احتياجاتهم الإنسانية.

لكن ما الذي يحدث داخل نفس الطفل عندما يُنتزع من سريره فجراً، ويُزج في زنزانة باردة، ويُحرم من حضن أمه؟ ما أثر التحقيق الطويل، التهديد، العزل، والضغط على عقل لم يبلغ النضج بعد؟ وكيف يبدو الطريق إلى التعافي بعد تجربة كهذه؟

"الأطفال الفلسطينيون الذين يعانون من الاعتقال والإساءة النفسية في السجون الإسرائيلية يتعرضون لآثار نفسية شديدة، بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والقلق المزمن، مما يؤثر على حياتهم الاجتماعية والتعليمية."
تقرير اليونيسف ( 2018) .

أكدت الدراسات النفسية أن الأطفال الذين يتم تعريضهم لهذا النوع من التحقيقات يعانون من آثار نفسية طويلة الأمد، مثل اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، القلق المزمن ، الصدمة النفسية (Trauma) نتيجة العنف، التحقيق القاسي، العزل، القلق والتوتر الدائم: بسبب فقدان الأمان، وانعدام الاستقرار، والخوف من المستقبل. اضطرابات النوم والكوابيس: كثير من الأطفال يعانون من الأرق أو أحلام مزعجة مرتبطة بتجربة الاعتقال ، الانعزال الاجتماعي : الطفل قد يفقد القدرة على التواصل الطبيعي مع الآخرين بعد خروجه، ويعاني من الانطواء ، تراجع الأداء الدراسي : نتيجة الانقطاع عن التعليم أثناء الاعتقال وصعوبة التركيز بعده.

في حديثه لمؤسسة العهد الدولية ، أشار المشرف والخبير النفسي ومدير مؤسسة نفس للتمكين الأستاذ ناصر مطر ، أن الأطفال في سنواتهم الأولى غير مكتملي النضج وتعرضهم لمجموعة من اشكال الانتهاك والتعذيب يفصلهم تماماً عن طفولتهم وعندما ينفصلون عن طفولتهم فهم بالتالي ينفصلون عن مستقبلهم وعن حياتهم الإنسانية ويعيشون في ظروف قاهرة في السجون دون رعاية دون احترام لحقوقهم الإنسانية او كالأطفال.

وأضاف : في أثناء الاعتقال، يتعرض الأطفال لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة تبدأ من لحظة القبض عليهم ، يُحتجز العديد منهم في ظروف قاسية، ويُحرمون من الطعام والماء والرعاية الطبية، كما يُمنعون من النوم والراحة، ويُجبر بعضهم على قضاء فترات طويلة مقيدين بالأصفاد، دون السماح لهم حتى بقضاء حاجتهم، ما يضطر بعضهم إلى التبول على أنفسهم تحت وقع الخوف والضغط النفسي الشديد.

وأكد الأستاذ مطر أنّ هذا النمط من المعاملة اللاإنسانية لا يقتصر أثره على اللحظة، بل يترك آثارًا بعيدة المدى على نمو الأطفال الجسدي والنفسي، حيث تؤدي ظروف الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة إلى خلل في نمو العضلات والعظام، فضلًا عن مضاعفات صحية مزمنة.

أثناء التحقيق، يتعرض الأطفال لألفاظ نابية وتهديدات نفسية بهدف انتزاع اعترافات منهم ، ويُجبر بعضهم على توقيع إفادات مكتوبة باللغة العبرية، التي لا يفهمونها، دون حضور محامٍ أو أحد الوالدين، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

كذلك بيّن الأستاذ مطر أنّ الانفصال عن الأسرة والبيئة الآمنة، والحرمان من الحياة المدرسية والاجتماعية، يترك الأطفال في حالة توتر دائم قد تستمر حتى بعد الإفراج ، وتشير شهادات وملاحظات إلى أن معظم الأطفال المحررين يعانون من اضطرابات نفسية متعددة، تشمل القلق المستمر، الكوابيس، الأرق، نوبات الذعر، التبول اللاإرادي، التوتر العصبي، سرعة الغضب، والانسحاب الاجتماعي.

وقد تظهر على بعضهم أعراض الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، تتجلى في سلوكيات عنيفة، تغيرات مزاجية، وأعراض جسدية مرتبطة بالضغط النفسي ، وفي بعض الحالات ، يتولد لديهم شعور مبكر بالمسؤولية والرجولة، لكنه يصاحبه صراع داخلي، وحساسية مفرطة تجاه تصرفات الآخرين، وتناقضات في المشاعر.

يُؤكد الأستاذ مطر أنً العودة إلى الحياة الطبيعية لا تكون سهلة أو فورية ، ويعاني الأطفال من صعوبة في إعادة التكيف الاجتماعي، فمن الصعب أن يعود الأطفال المعتقلين إلى ما كانت عليه صورتهم السابقة قبل الاعتقال

كما ويواجهون تحديات في العودة إلى المدرسة، واستعادة الشعور بالأمان، وبناء علاقات اجتماعية جديدة.

لذلك يدعو المشرف النفسي الاستاذ مطر ، إلى ضرورة  المتابعة مع أخصائيين نفسيين لتقديم الدعم النفسي المطلوب والذي يحتاجه الطفل الأسير بعد التحرر وضرورة اشراك الأطفال في المناسبات الاجتماعية وتجنب العزل الاجتماعي يحتاج بعد التحرر إلى الكثير من الحنان والعطف لتعويضه عن فترات الاعتقال وتجنب الخوض بتجربة الاعتقال من بدايتها حتى يرتاح قليلا ومن ثم التحدث معه تدريجيا عن هذه الفترة التي عاشها ، كما يحتاج بعض الأطفال لجلسات حماية لما بعد الصدمة وزيارات متفاوتة بين الفترة والأخرى لمرشد نفسي لمتابعة حالته وذلك تبعا للأعراض التي قد تظهر عليه بعد التحرر والتي قد يراقبها الاهل والقريبين منه.

"الحبس المنزلي للأطفال المقدسيين: عقوبة مضاعفة وسجن للأسرة بأكملها

في مدينة القدس التي تئن تحت الاحتلال، لم تسلم براءة الطفولة من قبضة القمع ، تتبع سلطات الاحتلال سياسات انتقامية بحق الأطفال الفلسطينيين وخاصة أطفال مدينة القدس ، الذين يتم استهدافهم بصورة ممنهجة بهدف تحطيمهم نفسياً ووجدانياً ..

 فبين جدران منازلهم، يُحتجز عشرات الأطفال المقدسيين تحت ما يسمى بـ "الحبس المنزلي"، وهي سياسة تفرضها سلطات الاحتلال كبديل ظاهري عن السجن، لكنها في الواقع تسلب الطفل حقه في التعليم، وتحوّل الأسرة إلى حارسة قسرية لطفلها، وتترك آثارًا نفسية مدمرة لا يمحوها الزمن.

يلجأ الاحتلال إلى الحبس المنزلي من أجل التحلل من مسؤولياته والتخفيف من عمليات اعتقال الأطفال وعدم إبقائهم داخل سجونها، ولا سيما من تقل أعمارهم عن 14 عاما ، وتجنباً للانتقادات الحقوقية، وسعياً منه للحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي ، لكن في الجانب الآخر، فإن سياسة الحبس المنزلي هي سياسة لقهر الإنسان الفلسطيني، ونوع من الانتقام والتعذيب للأطفال وللكبار بهدف ترويعهم، في سياق عقاب جماعي.

في معطيات رسمية سابقة ، أشارت مؤسسات الأسرى أن سلطات الاحتلال كانت قد أصدرت 2200 قرار بالحبس المنزلي بين كانون الثاني/يناير 2018 وآذار/مارس 2022، بحق أطفال قصّر، 114 طفلاً منهم كانت أعمارهم تقل عن 12 عاماً، مقارنة بنحو 228 قراراً بالحبس المنزلي في الفترة بين 2015-2017. وقد تم تحويل 70٪ من الأطفال المقدسيين الذين تم اعتقالهم خلال السنوات الأخيرة إلى الحبس المنزلي قبل البت في قضاياهم، فيما تراجعت قرارات الحبس المنزلي المفتوح عددياً خلال الثلاث  أعوام الأخيرة ، ولا سيما بعد إقرار عدد من القوانين الإسرائيلية التي أجازت اعتقال الأطفال القُصّر ومن هم دون 14 عاماً، وتغليظ العقوبة بحق الأطفال والمتهمين برشق الحجارة منهم، مما منح الشرطة والمحاكم صلاحيات أوسع باستمرار اعتقال الأطفال وتمديد فترة وجودهم في السجن ، أمّا الحبس المنزلي الموقت والمحدود لعدة ايام فما زال مستمراً وبشكل واسع.

ويُقصد بالحبس المنزلي احتجاز الطفل داخل البيت طوال الفترة التي تبحث فيها المحكمة الإسرائيلية في ملفه إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية بحقه وإصدار المحكمة حكمها في قضيته، والتي قد تكون بضعة أيام أو أسابيع، وقد تمتد إلى عدة شهور، وربما تصل في بعض الأحيان إلى عام كامل أو أكثر، وهذه الفترة لا تُحتسب من فترة الحكم الفعلي الذي يصدر لاحقاً بحق الطفل ، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، "الطفل المقدسي باسل عويضة مكث في الحبس المنزلي ثلاث سنوات قبل أن تصدر المحكمة الإسرائيلية بحقه حكماً بالسجن لمدة شهرين".

ويُجبر الطفل خلال فترة الحبس المنزلي بعدم الخروج من البيت بتاتاً، وقد وُضع لبعضهم أجهزة تتبع "سوار إلكتروني" مع GBS، لتتبع تحركات الطفل، ومراقبة مدى الالتزام بفترة "الحبس المنزلي" ، وفي مراحل متقدمة، وغالباً بعد أشهر، يسمح للطفل بالتوجه إلى المدرسة أو العيادة برفقة الكفيل الذي يكون من أفراد العائلة.

 يمارس الاحتلال نوعين من "الحبس المنزلي": الأول، يقوم على حبس الطفل في بيته، وعدم الخروج منه مطلقاً طوال الفترة المحددة، والنوع الآخر، يعدّ أشد خطورة، ويتمثل في "الحبس المنزلي" في بيت أحد الأقارب، بعيداً عن العائلة ومنطقة السكن، وذلك يسبب وجود أعباء اقتصادية واجتماعية على العائلة

وضمن سياسة "الحبس المنزلي"، تتحوّل العائلة إلى سجان، إذ تُطالب بمتابعة نشاط طفلها، ومراقبة حركته طوال فترة الحبس، مما يجعلها تعيش حالة من القلق الدائم .

وفي ظل هذا الواقع، تتوالى الشهادات التي تكشف عن معاناة الأطفال وأهاليهم، حيث يظهر الحبس المنزلي كعقوبة خفية تمزج بين العزل، والمراقبة، والقلق المستمر من الاعتقال في كل لحظة.

رشيد الرشق (14 عامًا ونصف)، من سكان البلدة القديمة في القدس، خضع للحبس المنزلي سابقاً ، ورغم إقامته القسرية في المنزل، فقد اعتُقل ثلاث مرات لاحقًا بدعوى خرق شروط الحبس ، يقول رشيد: "قررت أن أحمل حقيبتي المدرسية وأرتدي الزي المدرسي في المحكمة، وسأقول للقاضي: إذا كنت ترفض ذهابي للمدرسة، فضعني في السجن، لأني لا أريد الجلوس في المنزل وأُحرم من التعليم".

أما والدته، فترى أن الحبس المنزلي أكثر قسوة من السجن نفسه، مشيرة إلى أن الاحتلال يستخدمه وسيلة لإبقاء الطفل تحت التهديد الدائم بالاعتقال، وتقول: "أنصح الأهالي بعدم قبول هذا الحكم، فالحبس المنزلي لا نهاية له، وتستغله الشرطة كذريعة لاعتقال الطفل في أي لحظة".

وفي مخيم شعفاط، عانى موسى كردي (17 عامًا) من ظروف مشابهة، رغم إصابته بنوبات صرع ومشاكل تنفسية، فقد فُرض عليه الحبس المنزلي بعد اتهامه برشق الحجارة، دون تحديد مدة واضحة، بانتظار جلسة محاكمة. يقول موسى: "أشعر أني مدمر نفسيًا، أحتاج للخروج ورؤية الحياة والعودة إلى المدرسة".

وتضطر والدته ووالده للتناوب على مراقبته طوال الوقت، خوفًا من خرق الشروط المفروضة، حيث فرضت المحكمة عليهم غرامة قدرها عشرة آلاف شيكل (نحو 2740 دولار) لكل منهما في حال خرج موسى من المنزل.

يؤكد الناشط أمجد أبو عصب ، رئيس لجنة أهالي الأسرى والمعتقلين المقدسيين ، أن المحاكم الإسرائيلية تتعامل مع الأطفال المقدسيين بمنطق أمني بحت، بعيدًا عن أي اعتبارات إنسانية أو قانونية تحمي القاصرين، كما تنص المواثيق الدولية.

ويقول أبو عصب : "في كثير من الحالات، يُعرض الطفل أمام المحكمة دون وجود أدلة كافية، وتُوجّه له تهم مبنية على اعترافات انتُزعت منه تحت الضغط أو التحقيق الطويل دون وجود محامٍ أو مرافق قانوني"، ويضيف أن ما يسمى "الحبس المنزلي" يُستخدم كأداة عقابية طويلة المدى، بدلًا من أن يكون بديلاً مخففًا عن السجن.

وأوضح أن المحاكم العسكرية ترفض في أغلب الأحيان منح الأطفال حق الذهاب إلى المدرسة أو التنقل، وأن التهم الجاهزة مثل "رشق الحجارة" تُستخدم على نطاق واسع لتبرير إصدار أوامر توقيف أو حبس منزلي قد يمتد لأشهر.

ويتابع أبو عصب : أن النظام القضائي الإسرائيلي ومن خلال الحبس المنزلي يُحمّل الطفل وأسرته أعباء نفسية ومالية جسيمة، ويمارس نوعًا من الضغط الجماعي على العائلة .

آثار نفسية واجتماعية مدمرة: عندما يتحوّل البيت إلى سجن

يخلّف الحبس المنزلي آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال وأسرهم، ويفرض الحبس المنزلي مسؤولية ثقيلة على الوالدين، إذ يُلزمان بمرافقة الطفل طوال الوقت ومنعه من مغادرة المنزل ، هذا الدور القسري يحوّلهم في نظر الطفل إلى "سجانين"، ما يُعكر صفو العلاقة الأسرية ويولّد حالة من التوتر المستمر داخل البيت ، نتيجة شعوره بأن والديه هما من يفرض عليه القيد، وأن منزله الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، بات سجنه الفعلي.

وغالبًا ما يُحرم الأطفال الخاضعون لهذا النوع من العقوبة من حقهم في التعليم، بسبب القيود المشددة المفروضة على تحركاته، ويُتركون فريسة لفراغ يومي طويل دون أنشطة أو أهداف، ما يؤدي إلى تراجع نفسي وسلوكي ، تحت الضغط والرقابة المستمرة، يبدأ الطفل بمراقبة ذاته خوفًا من الوقوع في خطأ يُعرضه للاعتقال من جديد.

في دراسة نُشرت في جامعة بيت لحم ( 2017 ) ، للباحثة ناهدة العرجا بعنوان : تأثير الحبس المنزلي على الأطفال الفلسطينيين في مدينة القدس ، أظهرت الدراسة أنّ أطفال الحبس المنزلي يعانون من أبعاد نفسية تمثلت بالخوف والقلق واليأس والتوتر والعصبية ، كما خلُصت الدراسة أن للحبس المنزلي أبعاد تعليمية سلبية أدت الى تراجع التحصيل الدراسي عند نصف الأطفال وإلى رفض العودة إلى المدرسة عند بعضهم ، أما بالنسبة للأبعاد الاجتماعية ، أشارت نتائج الدراسة إلى أن أكثر من نصف أطفال عينة الدراسة لا يُفضلون الذهاب لزيارة الأهل ، كما أصبحت علاقتهم بأصدقائهم أضعف بعد تجربة الاعتقال والحبس المنزلي .

في الحبس المنزلي لا تقتصر المعاناة على الطفل فحسب، بل تمتد إلى أسرته، التي تجد نفسها مُجبرة على مراقبته على مدار الساعة، لتتحول إلى جهة حارسة بدلًا من حاضنة ،  هذا الدور القسري يزرع شعورًا بالغربة داخل البيت، ويفاقم التوتر الأسري، وقد يُسبب مشاكل نفسية متراكمة للطفل كالعصبية، التبول اللاإرادي، القلق، واليأس، وقد يضعف ثقته بنفسه وبعائلته.

ويروي كثير من الأطفال أنهم يفضلون قضاء محكوميتهم في السجون الإسرائيلية على البقاء في الحبس المنزلي، لما فيه من عزلة وضغط نفسي وحرمان من الحياة الطبيعية.

كما تتضاعف المعاناة عندما تُفرض على الأهل غرامات مالية في حال خالف الطفل الشروط أو غاب الكفيل لحظة التفتيش، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية والنفسية على الأسرة بأكملها.

لا يتوقف تأثير الحبس المنزلي عند حدود منع الطفل من الخروج، بل يمتد إلى زعزعة العلاقة بينه وبين أسرته. إذ يشعر الطفل أن والديه، بدلاً من أن يكونا مصدر الأمان، تحوّلا إلى من يقيد حريته، فيتحوّل البيت – الذي يُفترض أن يكون مساحة للطمأنينة – إلى سجن نفسي ومكاني.

الأطفال الأسرى يحاكمون كبالغين

"الأطفال الفلسطينيون الذين يتم اعتقالهم من قبل القوات الإسرائيلية غالبًا ما يتم محاكمتهم في محاكم عسكرية، وهو ما يتناقض مع حقوقهم القانونية في محاكمة عادلة، مما يعرضهم لانتهاكات جسيمة."
منظمة العفو الدولية ( 2016 )

وسط تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين ، تبرز الأحكام القضائية المرتفعة كواحدة من أكثر الأدوات قسوة والسياسات المؤلمة التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطفال الفلسطينيين ، فلم تعد محاكم الاحتلال العسكرية تتورع عن إصدار أحكام بالسجن لسنوات ضد قاصرين لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة ، خاصة بعد التعديلات القانونية التي أجازت اعتقال ومحاكمة القاصرين واعطاء احكام عالية لهم .

حيث تمثل القوانين العسكرية الإسرائيلية التي تنظم عملية اعتقال الأطفال الفلسطينيين جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض حقوق الأطفال ، بموجب هذه القوانين، يُسمح لقوات الاحتلال باعتقال الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا، بل ويمكن محاكمة الأطفال حتى وإن كانوا في سن أقل من 12 عامًا في بعض الحالات.

وهذه القوانين تشمل أيضًا الحق في احتجاز الأطفال في مراكز احتجاز بعيدة عن منازلهم، مما يعزلهم عن عائلاتهم ويفرض عليهم معاناة إضافية من حيث عدم القدرة على التواصل مع أسرهم.

في حديثه لمؤسسة العهد أكدّ المحامي عايد أبو قطيش المختص بقضايا الأسرى أن القوانين العسكرية الإسرائيلية تُعامل الأطفال الفلسطينيين كما لو أنهم بالغون، حيث لا يُعطى لهم الحد الأدنى من حقوقهم القانونية في محاكمة عادلة ،، وفي سؤاله عن أبرز التهم التي توجه للأطفال الأسرى ، أشار أن التهم تتنوع ما بين القاء الحجارة والمشاركة بالمظاهرات وهذا لا يمنع من وجود بعض التهم أعضاء في مجموعة غير نظامية وحيازة سلاح ، غير أنه بغض النظر ان كانت هذه التهم تتناسب مع اعمار الأطفال ام لا الامر الأساسي في هذا الموضوع كل لوائح الاتهام التي تقدم ضد الأطفال تتم بناء علي التحقيقات التي تتم ويتخللها وسائل تعذيب ضد الأطفال خلال عملية التحقيق يتم انتزاع هذه الاعترافات من هؤلاء الأطفال ويتم التعامل معها من قبل المحكمة العسكرية الإسرائيلية والتي تفتقر لكل مقومات ودعائم المحاكم العادلة.

ويُشير أن الأساس في موضوع الحكم ضد الأطفال الالتزام بالمعايير والقوانين الدولية المعروفة في قضايا اعتقال الأطفال ، والذي يُركز على أن اعتقال الأطفال يجب ان يكون الملاذ الأخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة الا ان سلوك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والنيابة العسكرية الإسرائيلية يُظهر ان هناك تشدد في اصدار الاحكام العالية ضد الأطفال الفلسطينيين خاصة خلال حرب غزة التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023 ، حيث أصبح هناك

نمط بالتوجه نحو الاعتقال الإداري ضد الأطفال دون تهمة او محاكمة وهذه الأوامر تصد من خلال مسؤول المنطقة والحد الأعلى له 6 شهور وهو قابل للتمديد ، وكمثال على ذلك الفترة التي سبقت السابع من أكتوبر كان من ضمن 300 طفل فلسطيني معتقل ممكن ان يكون هناك عشر أطفال تحت الحكم الإداري أما الآن فمن ضمن 300 يتواجد 120 طفل تحت الحكم الإداري يعني بنسبة 35% من نسبة الأطفال هم تحت الحكم الإداري والملاحظ أن  هناك تكرار في تمديد الاعتقالات الإدارية للأطفال بدون ابداء أي من الأسباب وخلال الفترة الأخيرة رصدت الطواقم القانونية حالات اعتقال اداري لأعمار صغيرة مثل طفل عمره 15 عام صدر بحقه امر اعتقال اداري لمدة اربع شهور وهذا يُبين أن الاعتقال الإداري أصبح من الممارسات الشائعة ضد الأطفال ، فلم تعُد النيابة الاسرائيلية بحاجة لاتخاذ اجراءات تُثبت من خلالها التهم بل تعتمد الاجراء الابسط وهو تحويل الطفل المعتقل للاعتقال الاداري الذي أصبح بأمر الحاكم العسكري للمنطقة .

في سؤاله إذا كانت الاجراءات المتبعة في اعتقال الاطفال تتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية ، و أبرز مواد الاتفاقية التي يتم انتهاكها ، أشار المحامي أبو قطيش أن هذه الاجراءات لا تتماشى أبدا مع اتفاقيات حقوق الطفل بالرغم من  أن دولة الاحتلال هي  طرف في اتفاقية حقوق الطفل إلا أنه عندما يتعلق الامر بالأطفال الفلسطينيين تتنصل إسرائيل من كل المعايير والاتفاقيات الدولية بما يتعلق بحماية الأطفال المادة 37 من حقوق الطفل والتي تنص على ان يكون اعتقال الأطفال من المفترض ان يكون الملاذ الأخير الا انه واضح من سلوك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لا يوجد أي احترام.

ويُضيف : كل المعايير والضوابط الدولية لا يوجد ادنى التزام فيها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فمن المعروف ان هناك اجماع دولي على مناهضة التعذيب والضرب وإساءة المعاملة محظور بشكل مطلق بكل الاتفاقيات الدولية إلا أنه جميع الأطفال الذين يعتقلوا يتعرضوا لأنماط مختلفة من وسائل التعذيب واسادة المعاملة خلال عملية النقل والاعتقال والتحقيق وداخل السجون الإسرائيلية.

ولفت المحامي إلى جانب آخر من معاناة الأطفال المعتقلين بدأت إدارة مصلحة السجون باعتماده وهو  عزل الأطفال بشكل تام عن العالم الخارجي فحتى اليوم لا يتلقى الأطفال أي زيارات عائلية من قبل عائلاتهم وزيارات المحاميين تتم وسط تضييقيات وتشديد كبير إضافة الى ذلك إلى أن محاكمة الأطفال لا يحضر الأطفال محاكمهم بشكل شخصي وانما تتم من خلال الفيديو كونفورنس وهذا يحرم المحامين من التواصل المباشر مع الأطفال خلال جلسات المحاكم ، أما ظروف الحياة داخل السجن هناك عزل كلي عن العالم الخارجي لا يوجد أي وسيلة تواصل واتصال لدى الأطفال، في الفترة الأخيرة قيدت إدارة السجون المواضيع التي ممكن للمحامي أن يتناولها مع الطفل خلال زيارته له فعلى سبيل المثال ممنوع أن ينقل السلام ورسائل الاهل فقط ما يسمح للمحامي الحديث عنه حول ملف الأسير في المحكمة ، هذه الممارسات تهدف لعزل الأطفال بحيث لا يكون لديهم ادني فكرة عما يجري في الخارج.

أما عن الصعوبات التي يواجهها المحامي في متابعة ملف الاطفال المعتقلين فهي تتعلق بقضية الاعتقال الاداري بشكل أساسي ، فهناك نسبة كبيرة من الأطفال معتقلين تحت الحكم الإداري وهذا لا يؤهل المحامي لتقديم دفاع قانوني مناسب لأنه في الوقت الذي يحاول ان يقدم الدفوعات القانونية يتم التعذر بأن هناك ملف سرى وعدم الإفصاح عنها.

في ختام حديثه أوضح المحامي أبو قطيش أن سابقاً كان يتم تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال ولاسيما على إساءة المعاملة والتعذيب وكان هناك محاولات لإجراء بعض التعديلات على منظومة المحاكم الإسرائيلية حتى تتناغم مع اتفاقيات حقوق الطفل العالمية والقانون الدولي لحقوق الانسان ، لكن اليوم ومن بعد السابع من أكتوبر ، ومع حالات التعذيب والانتهاكات الواضحة امام العالم لا يوجد أي توجه للتناغم مع الاتفاقيات الدولية ولا لحقوق الأطفال ، وأنّ كل ما يجري اليوم هو إجراءات انتقامية واضحة من هذا الاحتلال من خلال سياسة العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال ضد الجميع ، فسياسات التجويع والإهمال الطبي لأول مرة تؤدي إلى حالة استشهاد طفل داخل السجون ( وفاة الأسير القاصر وليد أحمد 17 عاما ، في سجن مجدو الإسرائيلي ) ، والتي بينت الفحوصات الطبية والكشف الطبي أنه استشهد نتيجة التجويع والإهمال الطبي واصابة في الرأس ولم يتلق الطفل علاج لإصابته.

الأسيرين باسل عبيدية ومحمد الزلباني – نموذج لانتهاكات حقوق الأطفال الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية

تغيب العدالة الدولية حين يتعلّق الأمر بأطفال فلسطين، فمعظم المحاكمات تتم في محاكم عسكرية، ولا تراعى فيها أدنى معايير حقوق الطفل.

أصدرت محكمة الاحتلال المركزية في مدينة القدس المحتلة، يوم الثلاثاء 22/4/2025 ، حكمها بالسجن لمدة 24 عاماً، بحق الأسير باسل عبيدية (18 عاماً) من بلدة جبل المكبر في مدينة القدس المحتلة ، وفرضت عليه تعويض مالي بقيمة 125 ألف شيقل، على خلفية مقاومته للاحتلال ، حيث أدين عبيدية بتنفيذ عملية طعن قرب باب الخليل، أحد أبواب البلدة القديمة في القدس يوم السادس من سبتمبر/أيلول 2023.

ووفقا للمحامي المقدسي حمزة قطّينة فإن موكله الأسير عبيديه ، اعتُقل وعمره 17 عاما، وغدا الآن شابا يقبع في أحد أقسام البالغين في سجن رامون بصحراء النقب مضيفا أن لائحة الاتّهام التي وُجّهت ضده تضمنت 3 محاولات قتل، ومحاولتين للإيذاء الخطير المشدد، بالإضافة لبنود تتعلق بقانون "مكافحة الإرهاب".

وبالإضافة لعقوبة السجن الفعلي، فإن المحكمة فرضت مبالغ تعويضية لصالح المصابين الخمسة في عملية عبيدية بقيمة 125 ألف شيكل (قرابة 34 ألف دولار أميركي).

وفي تعقيبه على قرار المحكمة، قال المحامي حمزة قطينة "للأسف المحكمة لا تولي أهمية لسنّ الفتى في مثل هذه الملفات التي تقع تحت بند الإرهاب، وتقوم بتشديد العقوبات كما لو أنه بالغ وراشد.. فباسل كان عمره 17 عاما عند تنفيذه هذه العملية لكن المحاكم تعاملت معه كالبالغين، وهو نهج باتت تتبعه المحاكم".

يُذكر أنّ الأسير عبيدية اُعتقل في شهر أيلول/سبتمبر 2023، وفي حينه كان طفلاً لم يتجاوز الـ 17 عاماً .

وكما جرى مع الأسير الشبل عبيديه ، فقد أصدرت المحكمة الاسرائيلية وبعد مضي عامين على اعتقاله ، حكما بالسجن على الطفل المقدسي محمد الزلباني ( 15 عاماً ) لمدة 18 عاما ، وغرامة مالية قدرها 250 ألف شيكل أي ما يعادل 70 ألف دولار ، بتهمة قتل جندي إسرائيلي، مع أن الجندي قُتل برصاص جندي آخر لحظة اعتقال الطفل الزلباني على حاجز مخيم شعفاط شمال شرق القدس المحتلة .

علماً أن سلطات الاحتلال كانت قد اعتقلت الطفل المقدسي محمد الزلباني في 13 فبراير/شباط 2023، وكان حينها يبلغ من العمر 13 عاما فقط، وتعرض على الفور لتحقيق قاس وتعذيب .

أيضاً ضمن سلسله الأحكام العالية بحق الأشبال فقد رُفع حكم الأسير الفتى عمر سمير الريماوي من 35 عاما إلى السجن المؤبد مدى الحياة ، فيما ثبتت المحكمة الإسرائيلية الحكم الصادر بحق الفتى أحمد أيوب عبيدة بالسجن لـ 32 عاما.

ويُذكر أن قرار المحكمة بحق كل من الأسير الريماوي (20 عاما)، من سكان بلدة بيت ريما، شمال رام الله، والأسير أحمد أيوب عبيدة (19 عاما)، من سكان مخيم الجلزون، شمال رام الله، جاء بعد ادعاء الاحتلال واتهامه للأسيرين بالمشاركة في عملية طعن أدت لمقتل مستوطن إسرائيلي عام 2015.

تعتبر القضايا التي تعرض لها كل من باسل عبيدية ، محمد الزلباني ، عمر الريماوي وأحمد عبيدة مثالًا حيًا على سياسة الأحكام التعسفية التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون ، ورغم أن القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، تنص بوضوح على حماية الأطفال من الاعتقال التعسفي والمعاملة اللاإنسانية، إلا أن تعامل المؤسسات الدولية مع اعتقال الأطفال الفلسطينيين ظل خجولًا ومحدود الأثر.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، على سبيل المثال، أصدرت عدة تقارير وثقت فيها انتهاكات الاحتلال بحق الأطفال، أبرزها تقرير عام 2013 الذي أكد أن "سوء معاملة الأطفال الفلسطينيين المعتقلين هو أمر منهجي واسع النطاق" ومع ذلك، اقتصرت ردود الأفعال غالبًا على الإدانة الخطابية دون اتخاذ خطوات عملية أو الضغط الفعلي على الاحتلال لوقف هذه السياسات.

أما المنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، فقد وثقت حالات عديدة لأطفال تعرضوا للضرب والتعذيب والحبس الانفرادي ، ووصفت اعتقال الأطفال بأنه جزء من سياسة تهدف إلى ترهيب المجتمعات الفلسطينية ومنع أي شكل من أشكال المقاومة ، لكنها أيضًا لم تتجاوز حدود إصدار التقارير والمناشدات، دون أن يتم تفعيل آليات مساءلة حقيقية.

أحمد مناصرة: رمز لمعاناة الأطفال الأسرى

أحمد مناصرة، وُلد في 22 يناير 2002 في بيت حنينا بالقدس الشرقية. في 12 أكتوبر 2015، عندما كان يبلغ من العمر 13 عامًا، اعتُقل بعد حادثة طعن في مستوطنة "بسغات زئيف" بالقدس، والتي قُتل فيها ابن عمه حسن (15 عامًا) برصاص الشرطة الإسرائيلية، بينما أُصيب أحمد بجروح خطيرة.​

أثناء التحقيق، تم تصوير أحمد وهو يتعرض لضغط نفسي شديد، حيث أظهر الفيديو المحققين وهم يصرخون عليه، بينما كان يرد مرارًا وتكرارًا: "مش متذكر". أثارت هذه اللقطات موجة من الغضب والاستنكار الدولي.​

حُكم على أحمد بالسجن لمدة 12 عامًا، خُففت لاحقًا إلى 9 سنوات ونصف. أثناء فترة سجنه، وُضع في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، مما أدى إلى تدهور حالته النفسية بشكل كبير، حيث أُصيب بانفصام في الشخصية. أُطلق سراحه في 10 أبريل 2025، بعد أن أمضى ما يقرب من عقد من الزمن خلف القضبان، وهو الآن في العشرينات من عمره، يعاني من آثار نفسية وجسدية عميقة نتيجة سنوات الاعتقال.​

أهمية حالة الأسير الطفل أحمد مناصرة

تُعتبر قضية أحمد مناصرة مثالًا صارخًا على الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال، بما في ذلك:​

  • الاعتقال في سن مبكرة: تم اعتقاله وهو في الثالثة عشرة من عمره، مما يُعد انتهاكًا لحقوق الطفل.​
  • التحقيق دون حضور ولي أمر أو محامٍ: خضع لتحقيقات قاسية دون وجود أي من والديه أو محامٍ للدفاع عنه.​
  • الحبس الانفرادي: وُضع في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، مما أثر سلبًا على صحته النفسية.​
  • التعذيب النفسي والجسدي: تعرض لضغوط نفسية وجسدية شديدة أثناء التحقيق والاعتقال.​

وهذه الانتهاكات تُعد مخالفة صريحة للقوانين الدولية، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على حماية الأطفال من التعذيب والمعاملة القاسية والاعتقال التعسفي.​

ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الأطفال الفلسطينيين الأسرى

"طفل فلسطيني يُعتقل بلا تهمة، يتعرض للتعذيب والحرمان من التعليم... ولا يُسمى ذلك جريمة حرب! ما الذي تبقى من العدالة حين يكون القاتل محميًا بالقانون؟"

رغم توثيق آلاف الانتهاكات بحق الأطفال الأسرى الفلسطينيين ، لا يُدرج الاحتلال الإسرائيلي في "قائمة العار الأممية لمنتهكي حقوق الأطفال"، في سلوك يعكس ازدواجية خطيرة في تعاطي المجتمع الدولي مع قضايا الأطفال الفلسطينيين مقارنةً بقضايا أطفال في نزاعات أخرى .. وبينما تُحدث انتهاكات حقوق الطفل في مناطق أخرى تحركًا سريعًا وإجراءات فورية، تُقابل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأطفال الفلسطينيين بتجاهل سياسي وصمت دولي، مما يساهم في استمرار هذه الجرائم دون رادع.

فالمجتمع الدولي الذي يدين بشدة احتجاز الأطفال في مناطق نزاع أخرى (مثل أوكرانيا وسوريا)، فإنه يتجاهل أو يخفف لهجته تجاه ممارسات الاحتلال الإسرائيلي .

بعض وكالات الأمم المتحدة (مثل اليونيسف) تصدر تقارير خجولة، تتجنب فيها تسمية إسرائيل كمنتهك ممنهج ، كما أنّ المحاولات الفلسطينية لإدراج الاحتلال في "قائمة العار الأممية لمنتهكي حقوق الأطفال" تُقابل بضغوط سياسية دولية لمنع إدراجه .

هذه الازدواجية في الموقف الدولي عمّقت شعور الفلسطينيين، وخاصة الأطفال وعائلاتهم، بانعدام العدالة، ورسخت قناعة بأن القانون الدولي يُطبق بانتقائية، بما يخدم مصالح القوى الكبرى ويغض النظر عن معاناة الشعوب الضعيفة .

كما تُظهر الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الأسرى ، أن قضية الأطفال الفلسطينيين المعتقلين ليست فقط قضية حقوقية محلية، بل هي قضية إنسانية دولية تستدعي التحرك الفوري من قبل المجتمع الدولي لمحاسبة الاحتلال ووقف هذه الممارسات غير القانونية واللاإنسانية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مصادر في كتابة هذا التقرير :

  • تقارير دورية لعدد من مؤسسات الأسرى :
  • مؤسسة العهد الدولية .
  • هيئة شؤون الأسرى والمحررين .
  • تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فرع فلسطين - بعنوان " تعسفي بشكل تلقائي- الأطفال الفلسطينيون في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية " .
  • مقال في مجلة التايم الأمريكية للناشط الفلسطيني الأمريكي فادي قرعان بعنوان :                                                     "I Saw the Haunting Reality of Palestinian Child Prisoners" ،،، فادي قرعان هو مدير الحملات في منظمة أفاز العالمية، ومنظم مجتمعي فلسطيني وقائد شبابي اعتقل عدة مرات بسبب عمله في مجال حقوق الإنسان من قبل الجيش الإسرائيلي .
  • لقاء لمؤسسة العهد الدولية مع المشرف والخبير النفسي ومدير مؤسسة نفس للتمكين الأستاذ ناصر مطر .
  • مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، مقال بعنوان : " ارتفاع ملحوظ بقرارات الحبس المنزلي: إسرائيل جعلت من البيوت سجوناً ومن الأهالي سجانين على أطفالهم" .
  • لقاء لمؤسسة العهد الدولية مع أمجد أبو عصب ، رئيس لجنة أهالي الأسرى والمعتقلين المقدسيين .
  • دراسة للباحثة ناهدة العرجا بعنوان : تأثير الحبس المنزلي على الأطفال الفلسطينيين في مدينة القدس ، نُشرت في جامعة بيت لحم ( 2017 ) .
  • لقاء لمؤسسة العهد الدولية مع المحامي والمختص في شؤون الأسرى عايد أبو قطيش .
  • الجزيرة نت .

مواد مشابهة